تتكشف يوماً بعد يوم ملامح تحول استراتيجي في الوعي المجتمعي داخل إقليم تيغراي الإثيوبي، حيث تعلو أصوات السكان المحليين لترسم حدوداً فاصلة بين تطلعاتهم المشروعة نحو الاستقرار، وبين الممارسات التاريخية لـ «جبهة تحرير شعب تيغراي» الفاقدة للشرعية.
ويجمع أهالي مدينة «عديغرات» الإثيوبية على أن الجبهة، طوال عقود من هيمنتها، لم تكن يوماً طرفاً يمتلك حلولاً لمعضلات الإقليم، بل كانت المحرك الأساسي لإبتكار الأزمات وتعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية على حساب المواطنين.
وفي شهادات ميدانية حول واقع السلام والاستقرار الراهن، كشف سكان المدينة عن نمط الإدارة القمعي الذي عاشوه؛ إذ أجبرت قيادات الجبهة الشباب على دفع إتاوات مالية قسرية وصلت إلى 50 ألف “بير” إثيوبي لمجرد نيل حق الحركة والتنقل في شوارع مدينتهم.
وأكد الأهالي أن العاجزين عن سداد هذه المبالغ الباهظة كان يتم استهدافهم بشكل مباشر، حيث تعرض الكثير منهم لاعتداءات وتشويهات جسدية بالغة، في ممارسات أشبه بسلوك العصابات المنظمة التي تجبي الأموال قسراً وتفرض سطوتها بالترهيب.
وأوضحت الشهادات أن الجبهة، على مدار 30 عاماً من النفوذ والهيمنة، ركزت طاقتها على تصنيع الأزمات وافتعال الصراعات بدلاً من التوجه نحو البناء والتنمية، فلم تقدم للإقليم أي مشاريع تنموية حقيقية، وتسببت في تفاقم البطالة وانعدام فرص العمل أمام الشباب.
ويرى السكان أن قيادات الجبهة اعتادت استخدام أبناء الإقليم كـ “ورقة تفاوضية” في صراعاتها؛ حيث تسارع إلى التجنيد القسري والتعبئة المسلحة كلما شعرت بتهديد يطال مصالحها السياسية أو نفوذها الحزبي، في حين تتجاهل احتياجات الإقليم في أوقات السلم.
ولفت أهالي «عديغرات» إلى أن إشعال الجبهة لفتيل المواجهات المسلحة للمرة الرابعة، متجاهلةً تماماً خطوات ضبط النفس والهدن التي طرحتها الحكومة الفيدرالية، لم يكن بدافع الحرص على حقوق شعب تيغراي، بل بهدف فرض أيديولوجيتها السياسية بالقوة.
وأضافوا أن هذا الإصرار المتكرر على الخيار العسكري أدى إلى إهدار طاقات جيل كامل ودفع الآلاف من الشباب إلى المقابر، مما ترك أمهات تيغراي في حالة متواصلة من الحزن والحداد، وسلب الإقليم أمنه واستقراره الطبيعي.
واليوم، ينزع الشارع في تيغراي نحو السلام الدائم بشكل غير مسبوق، رافضاً كافة الخطابات التحريضية وخيارات التصعيد العسكري التي سئم التضحية بأبنائه من أجلها دون أي عائد تنموي أو سياسي.
ويؤكد أهالي المدينة وشبابها تطلعهم الراسخ لاستعادة الحياة الطبيعية، ومواصلة التعليم، وبناء مستقبل اقتصادي آمن، معلنين التزامهم التام بالوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة الفيدرالية للحفاظ على مكتسبات السلام وتثبيت دعائم الاستقرار.