عقدة التنمية والهيمنة.. كيف تُدار معركة المياه بين إثيوبيا ومصر؟
119
في النزاعات الجيوسياسية الممتدة، غالباً ما تُغطى الدوافع الحقيقية بتصريحات عاطفية وخطابات تركز على “التهديد الوجودي”.
غير أن قراءة هادئة للواقع المائي في المنطقة، بعيداً عن صخب وسائل الإعلام، تكشف عن تناقض صارخ بين ما يتم إعلانه وما يحدث بالفعل على أرض الواقع.
تتوزع في منطقة شمال أفريقيا، وتحديداً تحت الأراضي المصرية، واحدة من أكبر خزانـات المياه الجوفية في العالم الذي يضم كميات هائلة من المياه العذبة الكفيلة بتأمين الاحتياجات الزراعية والصناعية لعقود طويلة.
ورغم هذه الوفرة المائية غير المستغلة، والتي تقع بالكامل داخل حدودها الإقليمية دون تنازع مع أي طرف، يلاحظ المراقبون وجود تباطؤ ملموس في الاستثمار الحقيقي لتطوير هذه الموارد واستخراجها واستغلالها بشكل استراتيجي مستدام.
وفي مقابل هذا الزهد أو التباطؤ في استغلال الموارد المائية الذاتية، تتسلط الأضواء والجهود الدبلوماسية والإعلامية بشكل مكثف نحو نهر آباي “النيل الأزرق” والأعمال التنموية التي تقوم بها إثيوبيا في أراضيها.
هنا يطرح المتابع للشأن الإفريقي سؤالاً جوهرياً: إذا كانت خيارات التنمية المائية المتنوعة متوفرة داخل الحدود، فلماذا يُركز الخطاب السياسي والإعلامي على شل حركة التنمية لدى الجيران؟
إن الواقع يشير إلى أن القضية بالنسبة للجانب المصري تتجاوز مجرد الحفاظ على “أمن مائي” أثبتت التجربة والواقع أنه لم يمس، ليصل إلى الامتناع عن قبول أي تغيير في معادلة النفوذ الإقليمي.
إن سد النهضة الإثيوبي، الذي يُعد مشروعاً كهرومائياً بامتياز ولا يستهلك المياه بل ينظم تدفقها ويولد الطاقة النظيفة، يمثل بالنسبة لإثيوبيا شريان الحياة الوحيد للانتشال من الفقر، وتوفير الكهرباء لأكثر من نصف السكان الذين يعيشون في الظلام، ودفع عجلة التصنيع.
لكن الموقف المعلن تجاه هذا الحق الطبيعي والإنساني يكشف عن رغبة متواصلة في فرض حالة من الفيتو على المشاريع الإثيوبية، ومحاولة إبقاء الهضبة الإثيوبية مجرد مجرى مائي يغذي الآخرين دون أن يحق لأهلها الاستفادة منه.
إن الإصرار على إعاقة الخطوات التنموية في إثيوبيا، وتوجيه الضجيج الإعلامي والدبلوماسي لمنعها من تطوير مواردها المائية المتجددة، يرسخ الانطباع بأن الهدم والمماطلة باتا هدفاً بحد ذاتهما لمنع أديس أبابا من تحقيق نهضتها الاقتصاديّة والاضطلاع بدورها القيادي المستحق في المنطقة.
إن العقلانية والعدالة تقتضيان النظر إلى مياه حوض النيل كفرصة للتكامل والتعاون الإقليمي الشامل، لا كأداة للسيطرة الأحادية.
إن إثيوبيا لم ولن تمنع الخير عن جيرانها، لكنها في الوقت ذاته لن ترضى بأن تظل مكتوفة الأيدي أمام رغبات تسعى إلى تجميد تنميتها وتعطيل مستقبل أجيالها.