Fana: At a Speed of Life!

أزمة البحر الأحمر الراهنة تثبت صحة المطلب الإثيوبي

 باتت التوترات العسكرية والجيوسياسية المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر، الذي يعد شريان الحياة للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، تهدد السلام والاستقرار الإقليمي بشكل مباشر.

وفي هذا الصدد، تشكل المشاركة المباشرة والحصول على منفذ مطل على البحر الأحمر بالنسبة لإثيوبيا، بحكم ارتباطها التاريخي والجغرافي، حلاً حاسماً وضرورياً لمعالجة هذه الأزمة بشكل مستدام.

إن وجود إثيوبيا في البحر الأحمر يتجاوز حدود منافعها الوطنية الخاصة، ليلعب دوراً لا بديل له في تعزيز أمن المنطقة بأسرها، ويتمثل ذلك في قوتها البشرية الهائلة، وقدراتها العسكرية التي أثبتتها في مكافحة الإرهاب بالقرن الأفريقي، فضلاً عن تاريخها الحافل في مجالات حفظ السلام بمختلف المناطق المجاورة.

وتوضح الاضطرابات الحالية أن أي هيكل أمني للبحر الأحمر يستثني إثيوبيا لا يمكن أن يحقق النجاح المطلوب؛ إذ أدت التحركات العسكرية لجماعة الحوثي في اليمن إلى تعريض سلامة السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب لخطر بالغ.

وقد أسفرت الهجمات المتكررة للجماعة عن تعطل مسارات التجارة الدولية، مما أجبر عدداً كبيراً من شركات الشحن الكبرى على تحويل مسارها نحو “رأس الرجاء الصالح” بجنوب أفريقيا، وهو ما تسبب في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بشكل حاد، وفرض ضغوطاً جسيمة على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.

ورغم الإجراءات العسكرية المكلفة للغاية التي تتخذها القوى الغربية لحماية الملاحة البحرية، إلا أنها لم تتمكن من وضع حد استراتيجي لأساليب القتال غير المتكافئة التي تتبعها الجماعة.

كما أن المنتديات الأمنية الإقليمية التي أقامتها الدول المطلة على البحر الأحمر فشلت في تقديم أي استجابة ملموسة، وظلت مكتوفة الأيدي دون إبداء قدرة دفاعية حقيقية عند وقوع الأزمة، مما يؤكد مدى هشاشة وضعف أي هيكل أمني يستبعد إثيوبيا.

وكانت إثيوبيا قد أدركت المخاطر المخيمة على البحر الأحمر مبكراً، وتبنت رؤية استراتيجية متميزة، وهو ما شدد عليه رئيس الوزراء د. آبي أحمد في توضيحاته أمام أعضاء مجلس النواب وفي مختلف المحافل الدولية.

وأوضح رئيس الوزراء في كلمته أن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من إثيوبيا، مؤكداً أن طلب الحصول على المنفذ البحري يهدف إلى تعزيز الأمن الإقليمي والنفع المشترك، ولا يشكل تهديداً لأي طرف.

كما أعلن للمجتمع الدولي أن إثيوبيا تسعى للوصول إلى البحر عبر الدبلوماسية والقانون الدولي ومبادئ الازدهار المشترك بالوسائل السلمية، وليس عبر الحرب أو القوة.

وتشكل العدالة، والمفاوضات السلمية، والتوزيع المتوازن للموارد الركائز الأساسية لمطلب إثيوبيا في الحصول على المنفذ البحري.

وتتمتع البلاد بقدرات في مكافحة الإرهاب، والقرصنة البحرية، والاتجار غير المشروع بالبشر في المنطقة، كما أثبتت التزامها بضمان الأمن البحري من خلال مشاركتها الفاعلة في المناقشات الإقليمية الأخيرة حول إنفاذ القانون البحري بنيجيريا.

وللنهوض بهذه المسؤولية التاريخية والإقليمية، أعدت القوات البحرية الإثيوبية، التي أعيد بناؤها منذ عام 2019 نفسها على أعلى مستوى من حيث التكنولوجيا، والقوى البشرية، والكفاءة المؤسسية.

وتتمتع هذه المؤسسة بجاهزية كاملة ليس فقط لدرء التهديدات الموجهة لإثيوبيا، بل لتكون أيضاً شريكاً أمنياً موثوقاً للمجتمع الدولي في حماية الأمن بالبحر الأحمر وخليج عدن.

إن طلب إثيوبيا للمنفذ البحري ليس مجرد قضية وجودية خاصة بها فحسب، بل هو ضمان أمني حقيقي لمنطقة البحر الأحمر المضطربة. وقد أثبتت الوقائع أن أعمال حفظ الأمن والتأمين التي تُجرى بعيداً عن إثيوبيا، وهي التي تمتلك أقوى جيش في المنطقة، وكتلة سكانية ضخمة، وخبرة واسعة في حفظ السلام، لم تتمكن من تحقيق نتائج ملموسة.

وكما أشار رئيس الوزراء د. آبي أحمد، فإن المشاركة المتوازنة في الثروات المشتركة تعزز السلام، بينما يؤدي إنكار الترابط الطبيعي إلى خلق الأزمات بمرور الوقت، وهو ما يحدث حالياً بالفعل.

وبناءً عليه، يتوجب على المجتمع الدولي والدول المجاورة إدراك أن التعاطي مع مطلب إثيوبيا العادل هو الوسيلة الوحيدة والضرورية لمواجهة المخاطر الأمنية بشكل مشترك وتحقيق السلام المستدام في البحر الأحمر.

إن وجود إثيوبيا على البحر الأحمر ليس ضمانة لبقائها فحسب، بل هو ضمانة للأمن والترابط الاقتصادي للمجتمع الدولي بأكمله.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.