في عالم اليوم، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو بما تمتلكه من موارد طبيعية، بل أصبحت الكفاءة التكنولوجية، والبنية التحتية الرقمية، والسيادة على البيانات من أبرز المؤشرات التي تحدد مستقبل التنمية والقدرة على المنافسة.
وخلال السنوات الخمس الماضية، أرست إثيوبيا أسس التحول الرقمي عبر تنفيذ استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2025″، لتنتقل اليوم إلى مرحلة أكثر طموحًا مع إطلاق استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2030” التي تستهدف بناء اقتصاد رقمي قائم على الابتكار والتكنولوجيا.
وكانت استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2025” تهدف إلى تحديث الإدارة الحكومية، وتقليص البيروقراطية، وتسريع الخدمات العامة، وتحسين جودة حياة المواطنين.
وفي هذا الإطار، جرى فتح قطاع الاتصالات أمام المنافسة، وتوسيع خدمات شبكات الجيلين الرابع والخامس إلى مختلف أنحاء البلاد، ما عزز انتشار الإنترنت وفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد الرقمي.
كما شهدت البلاد تحولًا ملحوظًا في مجال التمويل الرقمي، إذ أصبحت رواتب الموظفين، ومدفوعات الوقود، ومخالفات المرور تُنجز عبر أنظمة رقمية، الأمر الذي أسهم في جعل المعاملات أكثر سرعة وشفافية وكفاءة.
وفي السياق ذاته، استفاد ملايين المواطنين من نظام الهوية الرقمية الوطنية “فايدا”، فيما ساهم تحويل خدمات جوازات السفر، والتراخيص التجارية، والخدمات الضريبية إلى منصات إلكترونية في اختصار الوقت والحد من فرص الفساد.
ولم يقتصر التحول على رقمنة الخدمات، بل شمل أيضًا تنمية القدرات البشرية، حيث أسهمت مبادرة “خمسة ملايين مبرمج” في تأهيل الشباب بمهارات تقنية متقدمة، بما يدعم بناء كوادر قادرة على قيادة الاقتصاد الرقمي مستقبلًا، ويعكس انتقال إثيوبيا من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى مرحلة تطويرها وإنتاجها.
وفي إطار تعزيز السيادة الرقمية، تتجه إثيوبيا إلى توطين صناعة التكنولوجيا عبر إنشاء مصانع لإنتاج الحواسيب المحمولة، والأجهزة اللوحية، وغيرها من المعدات الرقمية محليًا، إلى جانب نجاحها في تصنيع الطائرات المسيّرة داخل البلاد، وهو ما يعكس تنامي قدراتها في مجال التصنيع التكنولوجي.
وإدراكًا منها لأهمية الأمن السيبراني في إنجاح التحول الرقمي، تعمل الحكومة على تعزيز منظومتها القانونية والمؤسسية والتقنية، من خلال تطوير البنية الوطنية للأمن السيبراني، وتحديث التشريعات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية والتجارة الإلكترونية، بما يوفر بيئة قانونية موثوقة للاقتصاد الرقمي.
كما يواصل مركز الأمن السيبراني إعداد كوادر متخصصة لحماية الأصول الرقمية والبنية التحتية الحيوية، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التهديدات الإلكترونية.
وتُعد استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2030” امتدادًا للمرحلة السابقة، لكنها تمثل في الوقت ذاته رؤية وطنية أشمل تستهدف نقل البلاد إلى اقتصاد رقمي متكامل، وتعزيز الابتكار، وترسيخ السيادة على البيانات، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في تطوير الاقتصاد والخدمات الحكومية والقطاعات الاجتماعية.
وبذلك، تؤكد إثيوبيا أن مسارها الرقمي لم يعد يقتصر على توسيع استخدام التكنولوجيا، بل أصبح مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى بناء دولة قادرة على تطوير التكنولوجيا وإنتاجها وحمايتها، بما يعزز تنافسيتها ويضع أسسًا متينة لاقتصاد رقمي مستدام، ويهيئها لمواكبة متطلبات المستقبل.