التحول الرقمي يقود مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي في إثيوبيا
74
تمضي إثيوبيا بخطوات متسارعة نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل، واضعة التكنولوجيا في صميم خططها للإصلاح الاقتصادي، في إطار رؤية تستهدف تعزيز الإنتاجية، وتوسيع الأسواق، ورفع كفاءة الخدمات، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
وتؤكد الرؤية الإثيوبية أن التحول الرقمي لم يعد مجرد قطاع تقني، بل أصبح ركيزة أساسية في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، من خلال ربط الأسواق بالمؤسسات والخدمات، وتسريع المعاملات، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، بما يواكب التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
التحول الرقمي رافعة للإصلاح الاقتصادي
ترى إثيوبيا أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية لا يعتمد على السياسات المالية والنقدية وحدها، بل يرتبط بقدرة الأنظمة الرقمية على ربط مختلف القطاعات الاقتصادية، وتقليل فجوة المعلومات، وتوسيع المشاركة في الأسواق، وتحسين التنسيق بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.
وتشير التجربة الإثيوبية إلى أن الخدمات الرقمية أسهمت في تقليص زمن إنجاز المعاملات من أيام إلى ثوانٍ، كما خفضت تكلفة انضمام الأفراد والشركات إلى الاقتصاد الرسمي، وهو ما عزز النشاط الاقتصادي وسهّل ممارسة الأعمال.
شهدت إثيوبيا خلال العقود الماضية توسعًا كبيرًا في مشاريع البنية التحتية، شملت الطرق والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية، إلا أن المرحلة الحالية تركز على ربط هذه المكونات ضمن منظومة اقتصادية متكاملة تعتمد على التقنيات الرقمية.
ويُنظر إلى الطاقة الكهربائية باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الرقمي، حيث تمتلك البلاد واحدًا من أعلى معدلات الاعتماد على الطاقة المتجددة في أفريقيا، إذ تمثل المصادر النظيفة نحو 98% من إنتاج الكهرباء، بينما تجاوزت القدرة الإنتاجية المركبة ستة جيجاواط.
كما يمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير ركيزة رئيسية لتوفير الطاقة اللازمة لدعم التصنيع، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
أسهم تحرير قطاع الاتصالات وفتح السوق أمام المنافسة في جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وزيادة عدد مستخدمي خدمات الاتصالات والإنترنت بشكل ملحوظ، فضلاً عن ارتفاع إيرادات قطاع الاتصالات بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
ويُعد هذا التطور جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل التكنولوجيا إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، وخلق بيئة أكثر جذبًا للاستثمارات والابتكار.
“إثيوبيا الرقمية 2030”
تعتمد البلاد على استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2030” لبناء بنية تحتية رقمية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، هي الهوية الرقمية، وأنظمة المدفوعات الإلكترونية، ومنظومة تبادل البيانات بين المؤسسات.
وفي هذا الإطار، جرى تسجيل أكثر من 45 مليون شخص في نظام الهوية الرقمية “فايدا”، بينما شهدت خدمات الدفع الإلكتروني نموًا غير مسبوق، مع وصول عدد الحسابات المرتبطة بالمدفوعات والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول إلى مئات الملايين، وتسجيل معاملات مالية بمليارات الدولارات سنويًا.
كما تعمل منصة “مسوب” على توحيد الخدمات الحكومية وربط أكثر من 200 مؤسسة حكومية، بما يسهم في تبسيط الإجراءات وتحسين جودة الخدمات للمواطنين والمستثمرين.
انعكس التحول الرقمي على عدد من القطاعات الإنتاجية، حيث ساهم في تحسين الإنتاج الزراعي من خلال دعم الزراعة التجميعية وربط المزارعين بالأسواق، كما عزز الشمول المالي ورفع معدلات استخدام الخدمات المصرفية الرقمية.
وفي قطاع التجارة، ساعدت الأنظمة الرقمية على تحسين تتبع الصادرات ورفع مستويات الشفافية، فيما بدأت قطاعات جديدة بالنمو، مثل التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والاستعانة بمصادر خارجية في مجالات البرمجيات وخدمات المعرفة.
الاستثمار في الكفاءات والذكاء الاصطناعي
تؤكد إثيوبيا أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية، بل يتطلب الأمر الاستثمار في بناء القدرات البشرية ورفع جودة التعليم وربط مخرجاته باحتياجات الاقتصاد.
ولهذا أطلقت البلاد مبادرة “خمسة ملايين مبرمج”، التي حققت هدفها الأول، مع خطط للتوسع إلى سبعة ملايين متدرب، بالتوازي مع تطوير التعليم الأساسي وتعزيز المهارات الرقمية.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تعمل إثيوبيا على بناء قدراتها الوطنية من خلال معهد الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء جامعة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بهدف إعداد كوادر قادرة على تطوير حلول تقنية تلائم احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية داخل البلاد.
ترى إثيوبيا أن مستقبل الاقتصادات لن يعتمد على امتلاك التكنولوجيا فقط، وإنما على القدرة على دمجها في مختلف قطاعات التنمية، من خلال منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والإصلاحات الاقتصادية، والحوكمة الرقمية، وتنمية رأس المال البشري.
وبهذه الرؤية، تسعى البلاد إلى ترسيخ التحول الرقمي كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي، وبناء اقتصاد حديث أكثر قدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مستندًا إلى الابتكار والتكنولوجيا والإنتاجية.