الجيش الإثيوبي ومسيرة الدفاع عن الاستقلال وصون السلام القاري
35
تشكل محطات التاريخ العسكري والدبلوماسي لإثيوبيا مساراً فريداً في القارة الأفريقية؛ إذ لم تقتصر مسيرة جيشها الوطني على حماية الحدود وصون السيادة الوطنية فحسب، بل امتدت لتلعب أدواراً محورية في دعم حركات التحرر، وإرساء دعائم حفظ السلام الإقليمي والدولي.
مع بزوغ فجر الأول من مارس عام 1896، ضربت منطقة عدوة في شمال إثيوبيا موعداً مع التاريخ، حين واجهت القوات الإثيوبية، بقيادة الإمبراطور منليك الثاني، الجيش الإيطالي الذي سعى لتوسيع نفوذه الاستعماري في القرن الأفريقي.
وبعد ساعات من القتال الحاسِم، حقق الجيش الإثيوبي انتصاراً مدوياً أجبر القوى الاستعمارية على إعادة حساباتها. ولم يكن هذا الانتصار مجرد مكسب عسكري عابر، بل تحول بمرور الوقت إلى رمز أفريقي خالص للمقاومة والسيادة.
وقد وثّق متحف سميثسونيان (Smithsonian Institution) هذه المكانة التاريخية، معتبراً انتصار عدوة المثال الأبرز على التصدي الناجح للتمدد الاستعمار الأوروبي في القارة.
تجاوز الدور الإثيوبي في أفريقيا حدود الميدان العسكري ليأخذ طابعاً سياسياً ومؤسسياً رائداً خلال القرن العشرين. ففي عام 1963، احتضنت العاصمة أديس أبابا اجتماعاً تاريخياً شاركت فيه 32 دولة أفريقية مستقلة، وأسفر عن تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.
وهدفت المنظمة إلى توحيد الصف الأفريقي، والدفاع عن استقلال الدول، ودعم جهود إنهاء الاستعمار؛ لتتكرس أديس أبابا بذلك عاصمة للدبلوماسية الأفريقية ومنصة مركزية للعمل المشترك.
عند قراءة الدور الإثيوبي إقليمياً، من الضروري التمييز بدقة بين الدعم الدبلوماسي والسياسي لقضايا القارة، وبين المشاركة العسكرية المباشرة.
فلم يكن الجيش الإثيوبي قوة غازية، بل انخرطت قواته في مهام أممية ودولية لحفظ الاستقرار.
وتُعد جمهورية الكونغو عام 1960 أول وأبرز محطة لانتقال الدور العسكري الإثيوبي خارج الحدود، حيث شاركت قوات برية وسرب من القوات الجوية ووحدات مدفعية ضمن بعثة الأمم المتحدة في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ البلاد.
وامتد هذا الحضور لاحقاً ليشمل بعثات حفظ السلام الأممية في السودان، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية؛والصومال حيث تركزت المهام على حماية المدنيين ومراقبة وقف إطلاق النار ودعم الاستقرار الإنساني.
وعلى الصعيد الدولي، سجّل التاريخ العسكري الإثيوبي مشاركة خارجية بارزة خارج النطاق الأفريقي؛ إذ أرسلت إثيوبيا قوات برية للمشاركة ضمن قوات الأمم المتحدة في الحرب الكورية بين عامي 1951 و1953.
وبين معركة عدوة الخالدة دفاعاً عن الأرض، مروراً بقيادة العمل الدبلوماسي الأفريقي، وصولاً إلى خوذات حفظ السلام في بؤر التوتر، يظل الجيش الإثيوبي علامة فارقة في معادلة الأمن والاستقرار على المستويين القاري والدولي.