على الرغم من التحديات والمؤامرات والضغوط التي تعرضت لها إثيوبيا عبر تاريخها من الغزاة الخارجيين والعملاء المحليين، إلا أنها ظلت دولة عظيمة شامخة بفضل الساعد القوي لأبنائها الأبطال ووحدة شعبها الصامد.
وقد تجلى هذا الصمود عبر مختلف المحطات والحقب التاريخية؛ فبعد تقهقر حضارة أكسوم التي فرضت هيمنتها الساحقة على البحر الأحمر، لم يغفل ملوك إثيوبيا في العصور الوسطى عن الأهمية الاستراتيجية الحيوية للبحر الأحمر.
وفي هذا السياق، وثّق التاريخ أن ملوكاً عظاماً، وفي مقدمتهم الإمبراطور زرء يعقوب، يعينون قائداً عسكرياً وحاكماً خاصاً يُلقب بـ بحر نجاش (ملك البحر)، لمراقبة وحماية الطرق التجارية المؤدية إلى البحر وتصدي المحاولات الاستعمارية؛ وهو ما يعزز حقيقة حاسمة مفادها أن سيادة الدولة كانت تمتد عملياً حتى الشواطئ البحرية.
وخلال فترة الغزو الإيطالي، عندما توسعت القوات الإيطالية نحو منطقتي سحاطي ووعا، وجه القائد بطل معركة دوغالي، الراس ألولا أبا نغا، رسالة شديدة اللهجة للغزاة الأوروبيين مذكرًا إياهم بما جرى في دوغالي: “لن يتسنى للإيطاليين الوصول إلى سحاطي إلا إذا صرت أنا حاكماً لروما؛ لقد أريتهم قوة ساعدي مرة، وإن عادوا فسأكررها لهم. إن البحر الأحمر كان ولا يزال وسيظل الحدود الطبيعية لإثيوبيا”.
إن هذا التصريح الشهير يُعد تعبيراً عن التزام راسخ وحقيقة تاريخية مفادها أن التطلع نحو البحر الأحمر بالنسبة لإثيوبيا ليس رغبة سياسية وليدة اللحظة، بل هو حدودها الطبيعية وجزء لا يتجزأ من كيانها التاريخي الممتد لآلاف السنين.
واليوم، ترتكز الجهود التي تبذلها البلاد لامتلاك منفذ بحري عبر السبل الدبلوماسية والسلمية على هذه الحقيقة التاريخية والحق الطبيعي.
إن استعادة المنفذ البحري تُعد خطوة أساسية لإلغاء قرار يفتقر للعدالة التاريخية، وقراراً استراتيجياً لتمكين إثيوبيا من صون مصالحها الوطنية على المستويات الإقليمية والقارية والدولية.
وتركز إثيوبيا في الوقت الراهن جهودها المكثفة لنيل منفذ بحري عبر الدبلوماسية السلمية، حيث طرحت مطلبها في المحافل القارية والدولية، وحظيت بدعم وتأييد من دول كبرى ومؤسسات دولية بارزة.
وبناءً على ذلك، يمثل البحر الأحمر مورد وثروة أساسية لضمان المصالح الوطنية لإثيوبيا وترسيخ دعائم السلام والتنمية في المنطقة بأسرها.