من الدبلوماسية التقليدية إلى شراكات التنمية وتعزيز الحضور الإقليمي
90
شهدت السياسة الخارجية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا، انتقلت فيه من التركيز على الملفات الأمنية التقليدية إلى تبني نهج أكثر شمولًا يقوم على توظيف الدبلوماسية لخدمة التنمية الاقتصادية، وتنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الدور الإقليمي لإثيوبيا في القرن الأفريقي والقارة الأفريقية.
ويأتي هذا التحول في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، دفعت أديس أبابا إلى إعادة صياغة أولوياتها الخارجية بما ينسجم مع أهداف الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز مكانتها كدولة محورية في شرق أفريقيا، مع الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والانفتاح على مختلف القوى الدولية.
الدبلوماسية في خدمة الاقتصاد
أصبحت السياسة الخارجية الإثيوبية ترتكز بصورة متزايدة على البعد الاقتصادي، حيث تسعى الحكومة إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع الأسواق أمام الصادرات الوطنية، وجذب التمويل لمشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة.
وفي هذا السياق، برزت المفاوضات الخاصة بانضمام إثيوبيا إلى منظمة التجارة العالمية، إلى جانب تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، باعتبارهما من أهم أولويات الدبلوماسية الاقتصادية، لما تمثلانه من خطوة نحو دمج الاقتصاد الإثيوبي في الأسواق الإقليمية والعالمية وتعزيز تنافسيته.
تنويع الشراكات الدولية
اتجهت أديس أبابا إلى تنويع علاقاتها الخارجية بعيدًا عن الاعتماد على شريك واحد، فوسعت تعاونها مع الصين في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، كما عززت تعاونها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة ودول الخليج، بما يخدم أولوياتها التنموية.
كما منح انضمام إثيوبيا إلى مجموعة “بريكس” بعدًا جديدًا لتحركاتها الخارجية، حيث تسعى إلى الاستفادة من المنصة لتعزيز التعاون الاقتصادي، والدفاع عن إصلاح النظام المالي العالمي، وتوسيع فرص التجارة والاستثمار مع الاقتصادات الصاعدة.
تعزيز الدور الإقليمي
تواصل إثيوبيا التأكيد على أن استقرار القرن الأفريقي لا يمكن تحقيقه دون تعاون إقليمي يقوم على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية ولذلك، تطرح نفسها شريكًا في جهود السلام، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.
وتؤكد الحكومة الإثيوبية باستمرار أن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي مسؤولية جماعية، وأن التعاون الإقليمي يمثل الطريق الأمثل لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة، مع رفض أي سياسات من شأنها زيادة التوترات في المنطقة.
استقلال القرار السياسي
من أبرز ملامح السياسة الخارجية الإثيوبية في مرحلة التحول تمسكها باستقلالية القرار الوطني، ورفضها الانخراط في سياسة المحاور الدولية، مع تبني سياسة “تصفير الخصومات” كلما أمكن، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.
وتؤكد أديس أبابا في مختلف المحافل الدولية دعمها للنظام متعدد الأطراف، وإصلاح المؤسسات الدولية بما يمنح الدول الأفريقية تمثيلًا أكثر عدالة، خاصة في مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية العالمية.
الدبلوماسية والتنمية الداخلية
ترى إثيوبيا أن نجاح سياستها الخارجية يرتبط باستقرارها الداخلي واستمرار برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي ولهذا أصبح الحوار الوطني، وتعزيز السلم المجتمعي، جزءًا من أدواتها لتعزيز مكانتها الخارجية وإظهار قدرتها على إدارة التحولات الداخلية بصورة مستقلة، بما يعزز ثقة الشركاء الدوليين.
تشير المؤشرات إلى أن السياسة الخارجية الإثيوبية تتجه نحو مزيد من الانفتاح والتوازن، مع التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية، والتكامل الأفريقي، وتوسيع العلاقات مع القوى الصاعدة، إلى جانب الدفاع عن المصالح الوطنية في القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمتها التنمية، والطاقة، والوصول إلى الأسواق، وتعزيز دور إثيوبيا في أمن واستقرار القرن الأفريقي.
وفي ظل هذه التحولات، تسعى أديس أبابا إلى ترسيخ صورة جديدة لدبلوماسيتها؛ دبلوماسية تجعل الاقتصاد والتنمية والاستقرار الإقليمي محاور رئيسية لتحركاتها الخارجية، بما ينسجم مع طموحاتها في أن تكون إحدى القوى المؤثرة في أفريقيا خلال العقود المقبلة.