على الرغم من أن العلاقة بين إثيوبيا والبحر الأحمر، بحكم التاريخ والجغرافيا، تمتد إلى قرون طويلة، فإن هذا الواقع شهد تغيرات كبيرة خلال العقود الأخيرة بعد فقدان البلاد منفذها البحري.
ويرى كثيرون أن خسارة إثيوبيا لمينائها البحري جاءت نتيجة أخطاء تاريخية ومؤامرات سياسية، وهو ما خلّف آثارًا نفسية وسياسية عميقة، حتى أصبح مجرد تناول هذه القضية في بعض المراحل أمرًا شديد الحساسية.
كما أدى هذا الوضع، وفق الطروحات المتداولة، إلى تعرض البلاد لضغوط اقتصادية كبيرة وتحديات أمنية متزايدة، في ظل اعتمادها الكامل على موانئ الدول المجاورة في حركة تجارتها الخارجية.
وخلال السنوات الأخيرة، عادت قضية الميناء البحري إلى واجهة الاهتمام الوطني بعد فترة من التراجع، وأصبحت إحدى القضايا ذات الأولوية بالنسبة للدولة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة الإثيوبية سياسة “المياهين” التي تربط بين ملفي نهر النيل والبحر الأحمر، وتعمل على إيجاد حل للقضية من خلال الوسائل السلمية والدبلوماسية، انطلاقًا من أبعادها التاريخية والقانونية والاقتصادية، وسعيًا إلى كسب تفهم ودعم المجتمع الدولي.
كما أسهم رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد في جعل قضية الميناء البحري إحدى القضايا الوطنية الكبرى، داعيًا الإثيوبيين إلى التكاتف حولها باعتبارها قضية تتصل بمستقبل البلاد ومصالحها الاستراتيجية.
ويؤكد الطرح الحكومي أن سياسة “المياهين” تنظر إلى النيل والبحر الأحمر بوصفهما ملفين رئيسيين يحددان مستقبل إثيوبيا، مع التشديد على أهمية استعادة حق البلاد في الوصول إلى منفذ بحري عبر الطرق السلمية والقانونية.
ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن غياب أي وثائق تثبت تخلي إثيوبيا طوعًا عن سيادتها على البحر الأحمر يعزز القناعة بأن فقدانها لمنفذها البحري لم يكن مسارًا مشروعًا، وهو ما يبقي القضية مطروحة للنقاش.
وعلى الرغم من استمرار الجدل بشأن أحقية المطالبة بمنفذ بحري، فإن هناك قناعة متزايدة بإمكانية الوصول إلى حلول عبر المفاوضات السلمية، بعيدًا عن الصراع، مع التأكيد على أن قضية البحر الأحمر تحمل أبعادًا قانونية وتاريخية وجغرافية واقتصادية.
ويُشار أيضًا إلى أن البحر الأحمر، الذي يمتد لنحو خمسة آلاف كيلومتر، تتقاسمه دول ذات كثافة سكانية محدودة مقارنة بإثيوبيا، وهو ما يدفع بعض الأصوات إلى القول إن فصل إثيوبيا عن هذا البحر بشكل دائم أمر يصعب استمراره.
وانطلاقًا من ذلك، يرى مؤيدو هذا التوجه أن من حق إثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، أن تحصل على نصيب من البحر الأحمر، وأن تتم معالجة قضية الميناء البحري بما يحفظ مصالحها الوطنية وأمنها القومي.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الحل لا يكمن في الحرب، وإنما في الحوار والدبلوماسية، وهما الخياران اللذان يحظيان بنقاش واسع على المستويين الوطني والإقليمي.
ومن بين الخيارات التي أثيرت في هذا السياق، تكرر الحديث عن تطوير ميناء عصب، غير أن الحكومة الإريترية، بحسب الطروحات المتداولة، لا تبدي استعدادًا للتجاوب مع هذا المسار.
ومع ذلك، تؤكد إثيوبيا تمسكها بحل قضية الميناء عبر الحوار والمفاوضات التجارية، مع استمرارها في السعي للحصول على منفذ بحري يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد: “سواء رغب أحد بذلك أم لا، لن تبقى إثيوبيا معزولة.”
وتختتم هذه الرؤية بالتأكيد على أن امتلاك إثيوبيا لميناء بحري يمثل مصلحة وطنية عليا وقضية وجودية ترتبط بسيادتها الاقتصادية ومستقبلها التنموي، الأمر الذي يجعلها من القضايا التي تستدعي تفاعلًا ومشاركة من مختلف فئات المجتمع الإثيوبي.