أصبحت الجغرافيا السياسية عاملاً أساسياً في تحديد خيارات الدول وتوجهاتها، من خلال الربط بين الموقع الجغرافي والسياسة والمصالح الاقتصادية، بما يتيح بناء رؤى واستراتيجيات بعيدة المدى.
وفي منطقة القرن الإفريقي، تبرز إثيوبيا بشكل متزايد، مستفيدة من موقعها الذي يربط بين منطقة البحر الأحمر وحوض النيل، في ظل رؤية تسعى إلى تعزيز مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن مجموعة من العوامل، في مقدمتها التاريخ والجغرافيا، إلى جانب الكثافة السكانية والإرادة السياسية، وهي عوامل أسهمت في صياغة توجه إثيوبيا نحو تعزيز حضورها الإقليمي.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد مراراً أن نهري «أباي» النيل والبحر الأحمر تمثل عناصر أساسية في تحديد مستقبل إثيوبيا ومصير أجيالها.
ومن أبرز مرتكزات هذه الرؤية، مسألة افتقار إثيوبيا إلى منفذ بحري لأكثر من ثلاثة عقود، وهو ما تصفه الحكومة بأنه وضع تاريخي يتعين معالجته.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أديس أبابا أن الحصول على منفذ بحري يمثل أولوية ترتبط بسيادة الدولة ومصالحها الاقتصادية والتنموية.
ويأتي سد النهضة الإثيوبي الكبير في مقدمة المشروعات التنموية التي تراهن عليها البلاد، باعتباره مشروعاً وطنياً كبيراً يعكس قدرة إثيوبيا على تنفيذ مشروعات استراتيجية بمواردها وإمكاناتها.
ولم يقتصر تأثير السد على إنتاج الكهرباء، إذ أسهم أيضاً في توسيع نطاق النقاش الإقليمي حول المياه والطاقة، مع انتقال التركيز تدريجياً من الخلاف حول استخدام المياه إلى فرص التعاون في مجال الطاقة والتكامل الإقليمي.
وتُصنف إثيوبيا في عدد من الدراسات الإقليمية باعتبارها قوة مؤثرة في منطقة القرن الإفريقي، مستندة إلى مجموعة من عناصر القوة، من بينها عدد السكان، والقدرات الدفاعية، والنمو الاقتصادي، والنشاط الدبلوماسي.
وفي هذا الإطار، يشير بعض الباحثين إلى مفهوم «الميائين»، الذي يجمع بين النيل والبحر الأحمر ضمن تصور استراتيجي واحد، باعتباره أحد المؤشرات على طبيعة الرؤية الجيواستراتيجية لإثيوبيا.
وفي ظل المخاوف التي تبديها بعض دول المصب، تؤكد أديس أبابا تمسكها بالحوار والحلول السلمية، مع طرح رؤية تقوم على الموازنة بين حماية السيادة الوطنية وتعزيز التعاون مع دول المنطقة، من خلال الشراكات والمصالح الاقتصادية المتبادلة بعيداً عن الصراع.
ويرى باحثون أن التنافس بين القوى الكبرى في البحر الأحمر يحمل لإثيوبيا فرصاً ومخاطر في آن واحد، وتتمثل الفرص في إيجاد شركاء بديلين والحصول على تمويل لمشروعات البنية التحتية، فيما تتمثل المخاطر في التدخلات الخارجية وتصاعد التوترات الإقليمية.
وتبرز في المرحلة المقبلة أولوية مواصلة التحرك الدبلوماسي من أجل تأمين منفذ بحري، إلى جانب توسيع التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، ويشكل هذان المساران جانباً رئيسياً من توجه إثيوبيا لتعزيز حضورها الجيواستراتيجي وترسيخ دورها في المنطقة.
ومع استمرار هذا التوجه، يبقى الحفاظ على الزخم وتعزيز مكاسب البلاد مسؤولية مشتركة بين القيادة والشعب.