Fana: At a Speed of Life!

خبير الموارد المائية ووزير الري الأسبق يكشف تفاصيل اتفاق 26 أكتوبر 2022، ويحذر من تسييس ملف المياه

خبير سوداني: انحسار النيل الأزرق كشف خللًا في إدارة الخزانات

كشف الخبير الدولي في الموارد المائية ووزير الري الأسبق السوداني، البروفيسور سيف الدين حمد، عن معلومات وتفاصيل جديدة بشأن أسباب الانخفاض الذي شهدته مناسيب النيل الأزرق خلال شهر يوليو، مؤكدًا أن ما حدث لم يكن تطورًا مفاجئًا أو غير متوقع من الناحية الفنية، وإنما كشف عن قصور في إدارة وتشغيل الخزانات السودانية وعدم اتخاذ التحوطات اللازمة لمواجهة فترة انخفاض التصريفات.

وقال حمد، خلال حوار مع الإعلامي الطاهر التوم في برنامج «مقرن النيلين» على شبكة «النيلين الإخبارية»، إن أزمة انحسار النيل الأزرق أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول كفاءة إدارة الملف المائي السوداني، ومدى الفصل بين القرارات الفنية والاعتبارات السياسية، إلى جانب مستقبل التنسيق مع إثيوبيا في ظل تشغيل سد النهضة.

انخفاض متوقع ومسؤولية داخلية

وأوضح حمد أن انخفاض مناسيب النيل الأزرق في بداية شهر يوليو كان أمرًا متوقعًا ومعلومًا للجهات الفنية، بالنظر إلى أن هذه الفترة تتزامن مع بدء التخزين السنوي في سد النهضة، والذي يمتد، وفق ترتيبات التشغيل، من بداية يوليو وحتى نهاية أكتوبر.

وأضاف أن الجهات المسؤولة عن إدارة وتشغيل الخزانات السودانية كان ينبغي أن تستعد لهذه المرحلة مسبقًا، لا سيما أنها تتزامن مع فترة تأسيس المحاصيل الزراعية، التي ترتفع خلالها الحاجة إلى مياه الري مقارنة بالفترات العادية.

وحمّل الخبير إدارة الخزانات والجهة المسؤولة عن التشغيل بوزارة الري مسؤولية الآثار التي ترتبت على الانخفاض، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لم تكن في غياب المعلومات، وإنما في عدم توظيفها لاتخاذ الإجراءات التشغيلية والاستباقية المناسبة.

وأشار إلى أن سد الروصيرص كان ينبغي أن يحتفظ برصيد مائي استراتيجي لا يقل عن أربعة مليارات متر مكعب، لمواجهة أي انخفاض محتمل في التصريفات أو ظروف تشغيلية طارئة، من بينها انقطاع التيار الكهربائي أو حدوث إظلام شامل يؤثر في تشغيل المنشآت المائية.

وأكد أن الاحتفاظ بهذا الرصيد يمثل إجراءً أساسيًا لضمان استقرار إمدادات مياه الشرب والري والتوليد الكهربائي خلال الفترات الحرجة.

اتفاق ثنائي لحماية الروصيرص وتأمين احتياجات السودان

وكشف حمد، الذي ترأس فريق التفاوض السوداني في الملف، أن السودان وإثيوبيا وقّعا في 26 أكتوبر 2022 اتفاقًا للترتيبات الثنائية، ينظم تبادل البيانات والتنسيق الفني بين البلدين في ما يتعلق بتشغيل سد النهضة وسلامة سد الروصيرص.

وقال إن الاتفاق حظي، في ذلك الوقت، بتوافق واسع، وجرى عرضه على عدد من القوى السياسية والسفراء والخبراء، قبل أن تتم إجازته من مجلسي الوزراء والسيادة.

وأوضح أن الترتيبات استهدفت توفير المعلومات اللازمة للسودان بصورة منتظمة، وضمان سلامة تشغيل سد الروصيرص، وتأمين احتياجات البلاد من المياه، إلى جانب الحد من المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن غياب التنسيق بين السدين.

وأكد أن تبادل البيانات الهيدرولوجية اليومية بين الجانبين استمر حتى فبراير 2026، رغم توقف الجانب السوداني عن المشاركة في الاجتماعات الفنية المشتركة.

قرار سياسي أوقف مشاركة السودان

وانتقد حمد غياب الوفود السودانية عن اجتماعات اللجنة الفنية المبرمجة منذ عام 2025، موضحًا أن قرار عدم المشاركة لم يصدر عن الوزارة أو الجهات الفنية المختصة، وإنما جاء من جهات عليا.

واعتبر أن وقف المشاركة أضعف قدرة السودان على حماية مصالحه ومتابعة التطورات التشغيلية بصورة مباشرة، في وقت كانت فيه إثيوبيا تواصل إرسال البيانات والمعلومات ذات الصلة.

وشدد على أن ملف المياه يجب أن يُدار باعتباره ملفًا سياديًا واستراتيجيًا للدولة، لا بوصفه أداة ضمن الصراعات والمواقف السياسية المؤقتة.

وقال إن الحروب والتوترات السياسية لا ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل قنوات التعاون الفني، مستشهدًا باستمرار لجان المياه بين دول شهدت نزاعات وأزمات حادة، مثل الهند وباكستان، إلى جانب استمرار التعاون الفني بين مصر والسودان خلال فترات الخلاف السياسي.

وأضاف أن الخلافات السياسية يمكن أن تستمر في مساراتها، لكن المصالح المرتبطة بالمياه وسلامة السدود وحياة السكان لا تحتمل القطيعة أو تعليق التنسيق.

سد النهضة غيّر نمط جريان النيل

وفي ما يتعلق بتأثيرات سد النهضة، قال حمد إن السد أصبح واقعًا قائمًا، وإن تشغيله أدى إلى تغيير نمط تدفق مياه النيل الأزرق.

وأوضح أن المياه كانت تصل إلى السودان، قبل قيام السد، في شكل فيضان كثيف يتركز خلال نحو أربعة أشهر، بينما أصبحت التدفقات أكثر انتظامًا على مدار العام بعد تشغيل سد النهضة.

واعتبر أن انتظام الجريان يتيح للسودان، حال حسن إدارته، فرصًا للتوسع في الزراعة ، وزيادة الاستفادة من المياه في الري، إلى جانب رفع كفاءة التوليد الكهربائي من السدود السودانية.

وأشار إلى أن إنتاج سد مروي من الطاقة ارتفع، وفقًا للأرقام التي أوردها، من نحو 5,500 جيجاوات/ساعة سنويًا إلى نحو 9,200 جيجاوات/ساعة، نتيجة انتظام التدفقات المائية وتغير النمط الهيدرولوجي للنيل.

وأضاف أن تخزين المياه في الهضبة الإثيوبية يتمتع بأفضلية فنية واقتصادية من حيث انخفاض معدلات التبخر مقارنة بالتخزين في المناطق الصحراوية، بما في ذلك بحيرة السد العالي وبعض الخزانات الواقعة في البيئات الأكثر حرارة.

لكنه شدد، في المقابل، على أن تحقيق السودان للفوائد المحتملة من السد يتطلب جاهزية تشغيلية عالية، وتنسيقًا يوميًا، وقدرة على إدارة سد الروصيرص وبقية الخزانات وفق النمط الجديد للجريان.

تفنيد مخاوف الانهيار والغرق

ونفى حمد صحة ما وصفه بالمبالغات والشائعات المتداولة حول قرب انهيار سد النهضة أو تعرض الخرطوم للغرق الكامل نتيجة موجات مائية هائلة.

وقال إن السد مزود بأنظمة وأجهزة واسعة لمراقبة السلامة الإنشائية والتشغيلية، مشيرًا إلى وجود أكثر من 2,400 جهاز للرصد والمتابعة داخل المنشأة.

وأوضح أن التصريفات الناتجة عن فتح بوابات التفريغ في سد النهضة يمكن استيعابها وتمريرها عبر بحيرة خزان الروصيرص، شريطة الإدارة والتشغيل المهني والتنسيق المستمر بين الجانبين.

وحذر من تناول القضايا الفنية المعقدة عبر الخطاب الإعلامي المثير أو المعلومات غير المتخصصة، مشددًا على ضرورة الاستناد إلى الخبراء والبيانات العلمية عند تقييم سلامة السدود أو احتمالات حدوث الفيضانات.

المصدر: الصحفي الطاهر حسن التوم

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.