من سيناريو 1875 إلى الحرب بالوكالة.. أديس أبابا تكشف أوراق الصراع مع مصر
91
تستمر قضايا مياه نهر النيل والمنفذ البحري في تصدر المشهد الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي؛ فبينما ترى إثيوبيا في هذه الملفات حقوقاً طبيعية ومسألة وجود واقتصاد، تنظر القوى الإقليمية والمتابعين للتحركات الأخيرة في المنطقة بعين الريبة والاستقطاب، وسط اتهامات متجددة للقاهرة بالسعي لترسيخ نفوذها التاريخي وإبقاء إثيوبيا في حالة تشتت داخلي.
هواجس تاريخية وسيناريوهات الصراع المباشر
تستند الرؤية الإثيوبية في تحليل السلوك السياسي المصري إلى وجود مخاوف تاريخية عميقة لدى قادة القاهرة تعود إلى عهود قديمة؛ حيث ساد اعتقاد بأن أي نهضة اقتصادية أو تنموية في إثيوبيا ستكون على حساب الحصة المائية والأمن القومي المصري.
وعلى مدى القرن الماضي، تبلورت هذه المخاوف في استراتيجيات هدفت إلى تجميد مشاريع التنمية الإثيوبية، وإبقائها مكبلة بالأزمات الداخلية والفقر.
ويشير أستاذ الدبلوماسية والعلاقات الدولية، أندالي نغوسي، إلى هذا التوجه بقوله: “إن الأنظمة المتعاقبة في مصر اعتادت خلق أزمات إقليمية وتوجيه الأنظار نحو إثيوبيا؛ للتغطية على المشكلات الداخلية والتهرب من مطالبات الإصلح وحسن الحوكمة لدى شعبها. هذا السلوك يمثل مقاربة ذاتية ومفرطة في الأنانية السياسية”.
ويرجع هذا التنافس إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما حاولت مصر السيطرة على منابع النيل بالقوة العسكرية المسلحة عبر الاستعانة بأسلحة حديثة ومستشارين عسكريين غربيين.
غير أن تلك المحاولات تحطمت في معركتي “غونديت” (1875) و”غورا” (1876)، حيث تلقت القوات المهاجمة هزائم قاسية على أيدي الجيش الإثيوبي.
ويعلق القيادي العسكري ، العميد معاش كاساي تشامادا، على تلك المحطة قائلاً: “بعد أن أدرك المصريون عجزهم عن مواجهتنا المباشرة في ميدان المعركة، أدركوا أن نمو إثيوبيا يشكل خطراً على نفوذهم في النيل والبحر الأحمر، ومن هنا التحول نحو الحرب غير المباشرة والاستعانة بعناصر داخلية لإعاقة مسيرتنا”.
الحرب بالوكالة واستغلال الخلافات الداخلية
تؤكد القراءة الإثيوبية للملف الشائك أن الفترة التي أعقبت ستينيات القرن الماضي شهدت تحولاً كبيراً نحو دعم الفصائل المسلحة وحركات الانفصال داخل إثيوبيا بالمال والسلاح والتدريب؛ لمنع أديس أبابا من التفرغ لبناء السدود واستغلال مواردها المائية.
وفي هذا السياق، يوضح رئيس أركان القوات المسلحة الإثيوبية، المشير برهانو جولا، أبعاد هذه الاستراتيجية قائلاً: “الاستراتيجية المعاصرة لتطويق إثيوبيا ليست وليدة اليوم، بل هي مخطط يعود لستينيات القرن الماضي ويهدف لحرمان إثيوبيا من منفذها البحري، وإضعافها عبر الصراعات الأهلية حتى لا تتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة أو تستفيد من مياه النيل”.
وأضاف المشير: “إذا كان مخطط حرماننا من البحر قد نجح في فترة ما، فذلك لم يكن بسبب عبقرية الأعداء أو شجاعتهم، بل بسبب وجود خيانة داخلية وأطراف طعنت وطنها من الداخل، ودمرت مؤسسات الدولة، وأضعفت الاقتصاد، مما فتح الأبواب أمام القوى الخارجية، واليوم تتكرر المحاولات ذاتها عبر الأدوات نفسها”.
كسر الحصار المالي وبناء سد النهضة
لم تقتصر أدوات المواجهة على الدعم العسكري غير المباشر، بل امتدت لتشمل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية؛ حيث مارست النفوذ داخل المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي لمنع حصول إثيوبيا على قروض وتسهيلات لإنشاء سدود على النيل وروافده.
غير أن العام 2011 شكل نقطة تحول تاريخية حين أعلنت أديس أبابا تدشين مشروع “سد النهضة الكبير” بالاعتماد الكامل على التمويل الذاتي وموارد الشعب الإثيوبي، ورغم الضغوط الدبلوماسية المتصاعدة والمحاولات الدولية لوقف المشروع، تمكنت إثيوبيا من إتمام عمليات البناء والتعبئة.
وفي هذا الصدد، صرح رئيس الوزراء، الدكتور آبي أحمد: “لقد سمعنا التاريخ، ورأيناه، وتعلمنا منه. واليوم، شاءت الأقدار أن نكون الجيل الذي يصنع التاريخ ويقف على أرضية صلبة ليرويه، سد النهضة ليس مجرد مشروع لإثيوبيا وحدها، بل هو إنجاز ملحمي تاريخي يخص شعوب القارة السمراء بكاملها ويبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال”.
من جانبه، يرى المحلل السياسي والأكاديمي، غيتيي ترِفي، أن المخاوف الإقليمية تتجاوز مجرد توليد الكهرباء، موضحاً: “هم يعلمون أن سد النهضة يمنح إثيوبيا قوة دبلوماسية وورقة تفاوضية سياسية وثقلاً ناعماً في المنطقة.
وعلى الرغم من أن إثيوبيا لم ولن تستخدم هذه الأوراق للإضرار بأحد ما لم تُستفَز، إلا أن الإدراك الإقليمي لهذا الواقع الجديد هو ما يثير قلقهم”.
تنافس الأسواق الزراعية والمنافسة في الخليج
وتكشف التحليلات الميدانية عن أبعاد اقتصادية أخرى لهذا النزاع؛ تتعلق بالسيطرة على الأسواق الزراعية في منطقة الخليج العربي وأوروبا.
حيث تخشى القوى التي تسيطر حالياً على صادرات الفواكه والخضروات والمواد الغذائية إلى تلك الأسواق من دخول إثيوبيا – التي تمتلك أراضٍ خصبة غير مستغلة وموارد مائية وفيرة – كعنصر منافس قادر على سحب البساط وتغيير الخارطة التجارية.
ويرى الباحث والمحلل السياسي، جمال بشير، أن القضية تتجاوز تدفق المياه، قائلاً: “الجميع يعلم أن المياه ستستمر في التدفق ولن تتوقف، لكن الخوف الحقيقي يكمن في التحول الاقتصادي المرتقب.
إثيوبيا تمتلك مقومات زراعية هائلة وأراضٍ بكر تتيح لها إنتاج محاصيل عالية القيمة، والأسواق الكبرى في السعودية والإمارات والكويت وقطر وغيرها قد تتجه مستقبلاً نحو المنتج الإثيوبي، وهو ما ترفضه القوى المنافسة وتحاول تعطيله عبر إشغال أديس أبابا بالأزمات والملفات الجيوسياسية”.
تكتيكات الحصار الجيوسياسي والرد الإثيوبي
مع تراجع الخيارات التقليدية، اتجهت التحركات نحو محاصرة إثيوبيا جيوسياسياً في منطقتها الإقليمية؛ بدءاً من المناورات العسكرية المشتركة مع دول الجوار مثل “نسور النيل” و”حماة النيل”، وصولاً إلى عقد اتفافيات دفاعية وتواجد عسكري بالقرب من الحدود الإثيوبية، إلى جانب محاولات عرقلة مساعي أديس أبابا لتأمين منفذ بحري دائم.
ويعلق جمال بشير على هذه التطورات بالقول: “تاريخياً، ارتبطت بعض القوى بدعم الفصائل الانفصالية في المنطقة.
واليوم يتحدثون بلغة حماية القانون وسيادة الدول، إن استعادة إثيوبيا لمكانتها الطبيعية ومنفذها البحري يُعتبر في نظرهم خسارة كبيرة للاستثمارات المالية والسياسية التي أُنفقوها لتقسيم المنطقة، بينما بالنسبة لنا هو مسألة وجود لا تنازل عنها”.
وأمام هذه التحديات الإقليمية والتجاذبات الراهنة، يؤكد الخطاب الرسمي الإثيوبي على الجاهزية التامة لحماية مقدرات البلاد وسيادتها الوطنية.
وفي كلمته أمام مجلس النواب، وجه رئيس الوزراء، الدكتور آبي أحمد، رسالة حازمة قائلاً: “نعلم جيداً المصادر التي تنطلق منها محاولات زعزعة استقرارنا، ونعمل باستمرار على تعزيز قدراتنا وشكلنا العسكري والأمني لمواجهة أي استفزاز ينبع من تلك المصادر.
وأود أن أؤكد للمجلس الموقر ولشعبنا أننا في أتم الجاهزية والاستعداد لردع أي خطر يهدد وحدة إثيوبيا أو يمس سيادتها الوطنية”.