لا يمكن لأي دولة أن تحقق نموًا اقتصاديًا مستدامًا وموثوقًا دون سياسات اقتصادية تنبع من واقعها الداخلي وتستند إلى قدراتها الوطنية وثقافتها ومجتمعها.
ومن هذا المنطلق، أطلقت إثيوبيا برنامجًا شاملًا للإصلاح الاقتصادي المحلي لمواجهة التحديات الهيكلية التي برزت خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها نقص العملات الأجنبية، والتضخم، والبطالة.
ويؤدي هذا الإصلاح دورًا محوريًا في تحديث الأسس الاقتصادية للبلاد، حيث ساهم في معالجة اختلالات كبيرة مثل عجز الموازنة، وارتفاع الديون الداخلية والخارجية، إضافة إلى تشوهات السوق.
كما أسهمت الإصلاحات في تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي من خلال تنظيم تدفقات رأس المال، وزيادة توفر النقد الأجنبي، وتحديث القطاع المالي، إلى جانب تنفيذ إصلاحات هيكلية شملت تحسين أداء مؤسسات التنمية العامة، وتقليص البيروقراطية المعقدة، وتوسيع بيئة الأعمال لجذب الاستثمار.
وعلى مستوى القطاعات الإنتاجية، ساهم الإصلاح الاقتصادي المحلي في تسريع نمو قطاعات رئيسية مثل الزراعة والصناعة والتعدين والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وقد حددت الحكومة خمسة قطاعات استراتيجية تشكل ركائز أساسية للتحول الاقتصادي، يأتي في مقدمتها قطاع الزراعة الحديثة، الذي حقق تقدمًا لافتًا، خاصة في تطوير زراعة القمح، حيث تم الانتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة المروية في موسم الصيف، وهو ما مكّن إثيوبيا من تحقيق فائض يسمح بتصدير القمح بعد أن كانت تعتمد على الاستيراد.
أما الركيزة الثانية فهي التصنيع والمجمعات الصناعية، حيث تم تعزيز الإنتاج المحلي، وتشجيع استبدال الواردات بالمنتجات الوطنية، مع توسيع دور القطاع الخاص في العملية التنموية الصناعية.
وتتمثل الركيزة الثالثة في السياحة وبناء الصورة الوطنية، حيث تم تعزيز ما يُعرف بالدبلوماسية السياحية وتنمية الإيرادات عبر تطوير وجهات جديدة ومشاريع كبرى بما ساهم في تعزيز جاذبية إثيوبيا سياحيًا واقتصاديًا.
أما الركيزة الرابعة فهي قطاع التعدين والموارد الطبيعية، حيث تم العمل على تنظيم عمليات استخراج الذهب والمعادن الأخرى والنفط، ومكافحة تهريب السلع غير المشروع، وزيادة عائدات النقد الأجنبي.
فيما تتمثل الركيزة الخامسة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث تم فتح قطاع الاتصالات أمام المنافسة، ما سمح بدخول شركات جديدة مثل شركة سفاريكوم إلى السوق، الأمر الذي أسهم في تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتوسيع البنية التحتية للاتصالات.
وشملت المرحلة الثانية من الإصلاحات الاقتصادية إجراءات أكثر جرأة وعمقًا مقارنة بالمرحلة الأولى، خاصة في تبني سياسات موجهة نحو السوق، وفي مقدمتها تحرير سعر الصرف وفق آلية العرض والطلب.
وقد ساهم هذا الإجراء في تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية، وجذب المزيد من العملات الأجنبية إلى البنوك المرخصة، إضافة إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحويلات المغتربين.
كما عززت هذه الإصلاحات ثقة المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الاقتصاد الإثيوبي، وزادت من مستويات الدعم والتعاون المالي معه.
وبشكل عام، تمثل الإصلاحات الاقتصادية المحلية في إثيوبيا أداة استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد الخارجي، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام التحديات.
وتسعى هذه الإصلاحات إلى تحقيق نمو طويل الأمد من خلال تعبئة الموارد المحلية، وتشجيع القطاع الخاص، وربط الاقتصاد بالتكنولوجيا الحديثة.
ورغم التحديات الداخلية والخارجية، فإن النتائج المحققة حتى الآن تعكس مسارًا إصلاحيًا واعدًا يعزز ثقة البلاد في مستقبلها الاقتصادي.