الانتخابات العامة السابعة.. مشاركة قياسية تعكس تطور التجربة الديمقراطية
57
شكّلت الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا واحدة من أكبر العمليات الانتخابية في تاريخ البلاد الحديث، حيث شارك فيها أكثر من 54 مليون ناخب، وسجلت نسبة إقبال تجاوزت 94%، في مشهد عكس اتساع المشاركة الشعبية وتطور المؤسسات الانتخابية في البلاد.
وجاءت الانتخابات ثمرة أشهر من الاستعدادات القانونية والإدارية والفنية التي قادها المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي، وشملت تحديث الأطر التنظيمية، وتسجيل الناخبين والمرشحين، وإدارة العمليات اللوجستية، إلى جانب نشر آلاف العاملين للإشراف على العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد.
وشهدت الانتخابات تنافس أكثر من 10 آلاف مرشح على مقاعد مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية، فيما شاركت أكثر من 42 حزباً سياسياً في السباق الانتخابي، وسط حملات توعية واسعة ومتابعة من منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.
تحول رقمي في إدارة الانتخابات
ومثّلت الانتخابات محطة بارزة في مسار تحديث الإدارة الانتخابية، إذ استخدمت إثيوبيا للمرة الأولى نظاماً رقمياً لتسجيل الناخبين والمرشحين، مكّن نحو خمسة ملايين شخص من إتمام إجراءات التسجيل إلكترونياً.
وأوضح المجلس الوطني للانتخابات أن هذه الأنظمة طُورت بأيدٍ إثيوبية واعتمدت على أطر قانونية وتنظيمية هدفت إلى تعزيز الكفاءة والشفافية وتحسين آليات معالجة الشكاوى والنزاعات الانتخابية.
كما ركزت الإصلاحات على تعزيز مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، واتخاذ تدابير إضافية للحد من العنف المرتبط بالعملية الانتخابية.
إقبال واسع يوم الاقتراع
ومع انطلاق التصويت، شهدت مراكز الاقتراع إقبالاً كثيفاً في مختلف أنحاء البلاد، حيث اصطفت أعداد كبيرة من الناخبين منذ ساعات الصباح الأولى، واستمرت عملية التصويت حتى ساعات متأخرة في بعض المناطق لاستيعاب جميع الراغبين في الإدلاء بأصواتهم.
ووصف رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد الانتخابات بأنها تعبير عن روح المسؤولية الوطنية والوحدة بين الإثيوبيين، مشيراً إلى أن المشاركة السلمية والواسعة تؤكد التزام المواطنين بالمساهمة في رسم مستقبل بلادهم عبر الوسائل الديمقراطية.
من جهتها، أشادت دائرة الاتصال الحكومي بالمشاركة الكبيرة للمواطنين وبالجهود التي بذلتها المؤسسات الأمنية والإدارية والإعلامية لضمان سير العملية الانتخابية بصورة سلمية ومنظمة.
إشادة محلية وأفريقية
حظيت الانتخابات بمتابعة واسعة من منظمات المجتمع المدني المحلية والهيئات الحقوقية ووسائل الإعلام، إلى جانب بعثات مراقبة أفريقية ودولية.
وأفادت جمعية المحاميات الإثيوبيات بأن عملية التصويت جرت بصورة سلمية ومنظمة وشفافة في غالبية المراكز التي راقبتها، مع التزام واسع بالإجراءات الانتخابية المعتمدة.
كما تابعت المفوضية الإثيوبية لحقوق الإنسان مجريات العملية الانتخابية في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الشفافية وحماية الحقوق الديمقراطية.
وعلى المستوى القاري، نشرت كل من الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي بعثات مراقبة في عدد من الأقاليم والمدن لمتابعة سير الانتخابات.
وأشادت بعثة “إيغاد” بالمستوى التنظيمي للعملية الانتخابية، مشيرة إلى ارتفاع نسبة المشاركة الشعبية، وتحسن الإدارة الانتخابية، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إدارة الاقتراع.
كما خلصت بعثة الاتحاد الأفريقي إلى أن الانتخابات جرت بما يتوافق مع المعايير والأطر الانتخابية الأفريقية، مشيدة بالإصلاحات التي نفذتها السلطات الانتخابية وبالجهود المبذولة لتوسيع المشاركة السياسية.
وأكد الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، الذي ترأس بعثة الاتحاد الأفريقي، أهمية الحوار والوحدة الوطنية في تعزيز الحكم الديمقراطي وترسيخ الاستقرار.
فوز لحزب الازدهار
وبعد استكمال عمليات الفرز والتدقيق والنظر في الشكاوى وفق الجدول الزمني المحدد، أعلن المجلس الوطني للانتخابات النتائج النهائية للانتخابات العامة السابعة.
وأظهرت النتائج فوز حزب الازدهار بـ472 مقعداً من أصل 501 مقعد في مجلس نواب الشعب، ما يمنحه أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة الفيدرالية المقبلة، إضافة إلى حصوله على تمثيل واسع في المجالس الإقليمية.
وفي أعقاب إعلان النتائج، وصف حزب الازدهار الانتخابات بأنها محطة مهمة في مسيرة إثيوبيا الديمقراطية، معرباً عن تقديره للناخبين والأحزاب السياسية والجهات المشرفة والمراقبة على العملية الانتخابية.
كما تعهد بمواصلة العمل على تعزيز سيادة القانون، وخفض تكاليف المعيشة، وتحسين الأمن الغذائي، وتوسيع فرص العمل، وتطوير الخدمات العامة من خلال التحول الرقمي، ومكافحة الفساد، ودعم مسار الحوار الوطني.
دلالات تتجاوز حدود إثيوبيا
ويرى مراقبون أن أهمية الانتخابات لم تقتصر على الشأن الداخلي الإثيوبي، بل امتدت إلى مستوى القارة الأفريقية، حيث عكست تنامي دور المؤسسات الأفريقية في مراقبة العمليات الانتخابية وتقييمها وفق معايير وآليات قارية مشتركة.
كما ساهمت التجربة الإثيوبية في إثراء النقاشات الأفريقية المتعلقة بتعزيز الديمقراطية، وبناء المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى الآليات الدستورية في إدارة التنافس السياسي.
وبذلك، تمثل الانتخابات العامة السابعة محطة جديدة في مسار التطور الديمقراطي في إثيوبيا، وتجربة تعكس جهود البلاد في تعزيز المؤسسات وتوسيع المشاركة الشعبية وإدارة التنافس السياسي عبر الوسائل السلمية والدستورية.