التجنيد الإجباري وصراع الأيديولوجيات.. قراءة في انتقادات موجهة لجبهة تحرير شعب تيغراي
مقال رأي بقلم السفير الجنرال باتشا ديبيلي بوتا
108
أثار قرار بشأن التعبئة العسكرية الإلزامية في إقليم تيغراي جدلًا واسعًا، وسط انتقادات تتهم الجناح المتشدد من جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) باستخدام آليات قسرية لإعادة تنظيم صفوفه العسكرية وتعزيز نفوذه السياسي.
وفي مقال رأي، يتناول السفير الإثيوبي لدى كينيا، الجنرال باتشا ديبيلي بوتا، ما وصفه بالعلاقة بين أيديولوجية “الديمقراطية الثورية” التي تبنتها جبهة تحرير شعب تيغراي خلال العقود الماضية، وبين سياسات التجنيد الإجباري التي يرى أنها تمثل امتدادًا لنهج قائم على السيطرة والإكراه.
قرار التعبئة العسكرية
يشير الكاتب إلى وثيقة صادرة عن ما وصفه بالجناح المتشدد من جبهة تحرير شعب تيغراي، تحمل اسم “الجريدة الرسمية للحكومة الإقليمية الوطنية لتيغراي”، وتتضمن قرارًا يتعلق بضمان وجود وأمن شعب تيغراي.
وبحسب الكاتب، فإن الوثيقة تمثل إطارًا قانونيًا لفرض تعبئة عسكرية واسعة في الإقليم، حيث تشمل إجراءاتها مختلف فئات المجتمع، وتضع آليات لتنظيم عملية التجنيد في صفوف الميليشيات.
ويقول إن القرار لا يقتصر على فئة عمرية محددة، بل يشمل، وفق تفسيره، شرائح واسعة من السكان، بما في ذلك الشباب وأفراد المجتمع الذين يُطلب منهم تقديم الدعم اللوجستي والمالي.
ويرى الكاتب أن القرار يمنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة في تنفيذ عملية التعبئة، ويجعل الدعوة إلى المشاركة في “النضال الوطني” مرتبطة مباشرة بقيادة الجناح المتشدد من الجبهة.
أهداف سياسية وعسكرية
ويعتبر الكاتب أن الهدف الأساسي من هذه التعبئة لا يرتبط فقط بالجانب العسكري، بل يتصل أيضًا بإعادة ترتيب موازين القوى داخل الإقليم، وتعزيز نفوذ قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي.
كما يربط بين استمرار الخطاب الداعي إلى الحرب وبين محاولات إعادة بناء القدرات العسكرية للجبهة، إضافة إلى ما وصفه بإرسال مقاتلين للمشاركة في النزاع الدائر في السودان المجاور.
ويذهب الكاتب إلى أن هذه السياسات تسهم في تكريس ما وصفه بـ”عسكرة المجتمع”، من خلال نشر ثقافة تقوم على الشعور بالخطر المستمر وعقلية الحصار، الأمر الذي يرى أنه يؤدي إلى تضييق المجال أمام التعددية السياسية والحوار الداخلي.
انتقادات لأيديولوجية “الديمقراطية الثورية“
يربط الكاتب بين قرار التجنيد وبين الخلفية الفكرية لجبهة تحرير شعب تيغراي، قائلًا إن أيديولوجية “الديمقراطية الثورية” التي تبنتها الجبهة خلال فترة حكمها لإثيوبيا أعطت الأولوية، بحسب رأيه، للسيطرة السياسية المركزية على حساب التعددية الديمقراطية.
ويشير إلى أن فترة حكم الجبهة للبلاد، والتي امتدت لنحو ثلاثة عقود، شهدت – حسب تقييمه – تقييدًا للحريات السياسية وقمعًا للأصوات المعارضة، بدلًا من بناء نظام ديمقراطي شامل.
كما ينتقد الخطاب السياسي الذي اعتمد على تصوير تيغراي بأنها تواجه تهديدات خارجية مستمرة، معتبرًا أن هذا الخطاب أسهم في تعزيز العزلة الاجتماعية وتعبئة السكان على أساس الخوف والتهديد.
الدعاية وعقلية الحصار
ويقول الكاتب إن هذه الدعاية التي يروّج لها الجناح المتشدد من جبهة تحرير شعب تيغراي تشبه، في العديد من جوانبها، دعاية ألمانيا النازية. ويرى أنها أسهمت بشكل واسع في ترسيخ شعور بالعزلة وعقلية الحصار لدى سكان الإقليم.
ويضيف أن هذا الخطاب يروج لمفاهيم تقوم على الخصوصية والانغلاق، والمظالم التاريخية، والشعور بالاستحقاق الجماعي داخل المجتمع، وفي الوقت نفسه يدّعي أن سكان الإقليم يواجهون تهديدًا مستمرًا من أعداء خارجيين.
وبحسب الكاتب، فإن الجمع بين الإحساس بالخطر المستمر والخطاب التعبوي يمكن أن يتحول إلى أداة دعائية قوية لحشد التأييد الشعبي والحفاظ على السيطرة على السكان.
معاناة المدنيين
ويتطرق الكاتب إلى ما وصفه بمعاناة سكان تيغراي نتيجة عمليات التجنيد القسري، مشيرًا إلى أن الأسر تواجه ضغوطًا كبيرة، وأن بعض المدنيين تعرضوا – بحسب قوله – للترهيب بسبب رفضهم إرسال أبنائهم إلى معسكرات التدريب.
ويقول إن سكان الإقليم، الذين تحملوا آثار سنوات من الصراع، يواجهون خطر فقدان جيل جديد بسبب استمرار النهج العسكري.
دعوة إلى الاتحاد الأفريقي
وفي ختام مقاله، يدعو السفير باشا ديبيلي بوتا الاتحاد الأفريقي إلى اتخاذ موقف تجاه ما وصفه بانتهاكات حقوق المدنيين، والعمل على حماية السلام والاستقرار في إثيوبيا والقرن الأفريقي.
كما يدعو إلى إلغاء قرار التعبئة العسكرية، والعودة إلى مسار سياسي شامل يقوم على الحوار والمشاركة الديمقراطية، إضافة إلى دعم الإدارة الإقليمية المؤقتة التي أُنشئت بموجب اتفاق بريتوريا للسلام.
ويؤكد الكاتب أن مستقبل إقليم تيغراي، وفق رؤيته، يجب أن يقوم على السلام والاستقرار واحترام الحقوق الأساسية للسكان، بعيدًا عن منطق الصراع والتعبئة العسكرية.