إثيوبيا .. طريق نحو ريادة الأمن السيبراني في شرق إفريقيا
59
لم تعد إثيوبيا تركز فقط على تعزيز قدراتها الوطنية في مجال الأمن والتكنولوجيا، بل بدأت تتجه نحو بناء قطاع قادر على تلبية احتياجاتها الداخلية، وفتح الطريق أمام تصدير حلول وتقنيات أمنية إلى دول الجوار بحلول عام 2030.
وتعمل أديس أبابا على تطوير منظومة وطنية لإنتاج تقنيات الأمن والدفاع الرقمي، في خطوة استراتيجية تعكس توجهها نحو تحقيق السيادة التكنولوجية، وتعزيز مكانتها في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي.
ولسنوات طويلة، اعتمدت المؤسسات الأمنية والتقنية في إثيوبيا على استيراد البرمجيات والبنى التحتية الرقمية من الخارج، إلا أن البلاد بدأت خلال السنوات الأخيرة في تغيير هذا الواقع من خلال تطوير حلول محلية بأيدي مهندسين وخبراء إثيوبيين.
وبحسب المعطيات المعلنة، تم تطوير أكثر من 99% من البرمجيات الأمنية المستخدمة في مجالات الدفاع والهوية الوطنية وأنظمة البيانات بواسطة كفاءات محلية، في إطار مساعي تقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
كما أعلنت إدارة أمن شبكة المعلومات الإثيوبية (INSA) تحقيق نسبة نجاح بلغت 99.03% في مواجهة الهجمات السيبرانية الأخيرة، وهو ما يعكس التطور المتسارع في قدرات البلاد بمجال الحماية الرقمية، ويعزز طموحها لأن تصبح مركزًا إقليميًا للأمن السيبراني في شرق إفريقيا.
ولم يقتصر التطور على المجال الرقمي فقط، إذ تعمل إثيوبيا على دمج التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في القطاعات الأمنية والعسكرية، من خلال استخدام أنظمة حديثة وطائرات مسيرة مدعومة بالتكنولوجيا، إلى جانب تطوير قدرات تقنية متقدمة في هذا المجال.
كما تم إنشاء مختبر رقمي متخصص في التحقيقات الجنائية والتقنية لخدمة مؤسسات الأمن والسلامة، بما يعزز قدرة البلاد على التعامل مع الجرائم الرقمية والتهديدات الحديثة.
وتأتي هذه التحولات ضمن إطار استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2030” التي أطلقتها الحكومة الإثيوبية، والتي تهدف إلى تعزيز إنتاج التكنولوجيا محليًا، وتطوير منظومات رقمية تشمل القطاعين المدني والأمني.
وتتضمن الاستراتيجية إنشاء مراكز وطنية للعمليات الأمنية، وتطوير التصنيع الذكي، وتعزيز نقل المعرفة، إلى جانب بناء مركز وطني للأمن السيبراني يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لمراقبة التهديدات والاستجابة لها.
كما تركز إثيوبيا على دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتطوير القدرات الهندسية المحلية، عبر تدريب أعداد كبيرة من المبرمجين وإنشاء مؤسسات تعليمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ولا يقتصر طموح إثيوبيا على تلبية احتياجاتها الأمنية الداخلية، بل تسعى بحلول عام 2030 إلى التحول إلى مركز تكنولوجي في شرق إفريقيا، قادر على تصدير برمجيات الأمن السيبراني، وأنظمة حماية البيانات، وأدوات الفحص الأمني إلى دول المنطقة.
وترى أديس أبابا أن هذا التوجه يمكن أن يعزز التعاون الإقليمي، ويدعم الاقتصاد الوطني من خلال خلق مصادر جديدة للعملة الأجنبية، إضافة إلى تقليل اعتماد دول المنطقة على التكنولوجيا الأجنبية في المجالات الحساسة.
كما أن امتلاك قدرات تكنولوجية متقدمة في مجال الأمن يمكن أن يمنح شرق إفريقيا أدوات إضافية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، من خلال حلول محلية تتناسب مع احتياجات دول المنطقة.
وتسعى إثيوبيا من خلال هذا المسار إلى الانتقال من مرحلة الاعتماد على استيراد التكنولوجيا إلى مرحلة الإنتاج والتصدير، بحيث تصبح خلال السنوات المقبلة لاعبًا رئيسيًا في سوق تقنيات الأمن الإفريقية.
إن مشروع تطوير تكنولوجيا الأمن والدفاع الرقمي يمثل، وفق الرؤية الإثيوبية، أكثر من مجرد برنامج تقني؛ فهو جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتحويل إثيوبيا بحلول عام 2030 إلى مصدر للحلول الأمنية والتكنولوجية في القارة الإفريقية.