Fana: At a Speed of Life!

الإرادة والمياه.. الإستراتيجية الإثيوبية ورسائل سد النهضة

يمثل مرور عام كامل على الافتتاح الرسمي لسد النهضة الكبير وبدء إنتاج الطاقة الكهربائية منه محطة تاريخية فارقة؛ إذ أصبح السد يمنح الإثيوبيين الطاقة والكهرباء، وللأفارقة الأمل والدليل العملي على أن “إفريقيا تستطيع”.

ومع ذلك، تتجدد الحملات والاتهامات والتساؤلات المصرية كلما أتى فصل الصيف وموسم الأمطار، وهو ما يفرض قراءة شاملة وعميقة للواقع المائي والسياسي والإستراتيجي استنادًا إلى الموقف الإثيوبي الرسمي.

تستند الرؤية الإثيوبية إلى حقائق هيدرولوجية وجغرافية لا تقبل التزييف؛ فمن بين 122 مليار متر مكعب من الموارد المائية التي تمتلكها إثيوبيا، يتدفق نحو 68% منها عبر ثلاثة أحواض رئيسية تضم أنهار بارو، وتكزي، وأباي (النيل الأزرق)، لتلتقي وتصنع الشريان الأساسي لنهر النيل.

وعلى مدى عقود طويلة، كانت هذه التدفقات المائية المائة تشكل نماءً وازدهارًا لدول المصب، ومصر تحديدًا، حيث أنشؤوا سدودهم وشبكاتهم المائية وتجاوزوا ذلك للضخ في مشروع “توشكى”.

في المقابل، يُحرم الإثيوبيون من الاستفادة من مياههم، بل وتُستغل معاناتهم وموجات الجفاف والمجاعات التاريخية وتصويرها إعلاميًا على أنها نجاحات وإنجازات لإستراتيجيات دول المصب، بينما يعاني الشعب الإثيوبي الفقر رغم وجود أنهار عظيمة كبارو وأبي وأراضٍ شاسعة صالحة للزراعة.

إن كسر هذا الواقع التاريخي وإرادة الشعب الإثيوبي كان بمثابة “كابوس” وصدمة إستراتيجية لدول المصب؛ إذ لم يتوقعوا أن تنهض الدولة التي مارسوا عليها الضغوط لسنوات وتأخذ زمام أمورها بهذه القوة.

ورغم ذلك، تؤكد إثيوبيا أن موقفها ثابت لا يتزعزع، وقائم على الانتفاع المنصف والعادل دون الإضرار بأحد، تحت شعار: “ننمو معًا، ونزدهر معًا، ونستفيد معًا”.

وبالنظر إلى الأنهار الدولية حول العالم كنهر الميكونغ في آسيا الذي ينبع من الصين، أو دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا نجد أن دول المصب هي التي تتودد وتطلب التوافق من دول المنبع، أما إثيوبيا، ورغم كونها دولة المنبع الرئيسية، فقد بادرت بنفسها ودعت الشركاء للنمو المزدوج، وهو موقف إنساني وإستراتيجي غير مسبوق في إدارة الأنهار العابرة للحدود.

لقد أُقيم سد النهضة بدم وعرق وأموال الإثيوبيين، دون الحصول على أي قروض أو مساعدات خارجية، ولم يكن ذلك نتيجة وجود ماء وفير أو فائض مالي، بل من خلال التراحم والتضامن الشعبي ووقوف المواطنين خلف قيادتهم.

وقبل هذا الإنجاز، اعتمد الخصوم التاريخيون على إبقاء إثيوبيا في صراعات ونزاعات داخلية لتوجيه مواردها نحو الحروب بدلاً من التنمية والمشاريع.

وحتى عندما استُخدمت المواجهات المباشرة في التاريخ القديم، هُزم قادتهم العسكريون وقتلوا وعادوا بذلّ ومقسمين ألا يعودوا لمواجهة إثيوبيا، فتحولوا بعد ذلك إلى استخدام بعض الإثيوبيين كأدوات لتفجير الصراعات من الداخل.

وحتى بعد بدء بناء السد، جرت محاولات مستمرة لتأخيره وتخريبه من الداخل عبر إذكاء شبكات الفساد والتعطيل ليتوقف المشروع تمامًا، غير أن القيادة الحالية تعاملت بحكمة وإرادة حاسمة وجعلت كل تلك المحاولات من الماضي واكتمل السد وأصبح حقيقة قائمة.

وبعد اكتمال السد وهزيمة مخططات التعطيل، انتقلت الإستراتيجية المصرية إلى اختلاق الذرائع والادعاءات على المسرح الدولي؛ ففي سبتمبر من العام الماضي إِدعوا أن إثيوبيا ستتسبب في فيضانات كارثية تجرف السدود والمناطق السفلى، وعندما افتُضح كذب هذه الادعاءات أمام العالم، تحولوا هذا العام للتذرع بأن السد يقتطع المياه ويسبب الجفاف.

بل وإنهم نصّبوا أنفسهم أوصياء ومدافعين عن السدود والمصالح السودانية، متسائلين: من نصّب مصر محامية أو وصية على السدود داخل السودان؟ إنها مجرد وسيلة لحشد الحلفاء وخلق بروباغندا ضد إثيوبيا.

أما على الصعيد الفني والعملي، فإن المنطقة تشهد هذا العام تغيرات مناخية واستثنائية ناجمة عن ظاهرة النينيو، مما أدى إلى تراجع هطول الأمطار عن المعدلات المتوقعة في الأحواض الشمالية الغربية لنسب متدنية.

وبما أن عمل السد يخضع لقوانين الفيزياء والتوازن المائي ، فإنه لا يمكن للسد أن يخرج مياهًا غير واردة بالأساس، وحتى بالنسبة للداخل الإثيوبي، كان المستهدف توليد نحو 38 جيجاوات/ساعة من الطاقة لهذا العام، ولكن بسبب نقص المياه الواردة طبيعيًا، لم يتم توليد سوى 35 جيجاوات/ساعة، وهو دليل علمي قاطع على أن الأمر مرتبط بالظواهر الطبيعية وحجم الأمطار وليس باحتجاز إثيوبي للمياه.

تجلى الاستعلاء السياسي في التصريحات الصادرة مؤخرًا عن وزارة الري والمياه المصرية ووسائل إعلامها، والتي ادعت فيها أن “إثيوبيا لا تحتاج لبناء سدود كبيرة أو مشروعات ضخمة لتوليد الكهرباء، ويمكنها الاكتفاء بمشاريع صغيرة”.

إن هذا الادعاء يمثل تدخلًا سافرًا وتطاولاً على السيادة الوطنية والدولية؛ فكيف لجهة خارجية أن تتجرأ وتحدد لدولة مستقلة ذات سيادة كيف تلبي احتياجات شعبها من الطاقة أو كيف تدير اقتصادها؟ إن هذه التصريحات تنبع من غطرسة وتكبر وعدم قراءة للواقع الجديد، لكن سد النهضة اكتمل وبُني بتمويل وطني خالص، وستستمر إثيوبيا في طريق التنمية والانتفاع المنصف بمواردها المائية رغماً عن كافة الضغوط والحملات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.