Fana: At a Speed of Life!

معادلة النيل والبحر الأحمر  

تُطرح في أديس أبابا رؤى دبلوماسية وقانونية لتعديل موازين القوى وإعادة تعريف مفهوم الاستفادة المشتركة في ملفات حوض النيل والقرن الأفريقي، حيث تنطلق المقاربة الإثيوبية من مبدأ المقابلة والمثل بالمثل في استخدام منطق التفاوض الإقليمي.

وتتساءل الطروحات الرسمية أنه في الوقت الذي تُطالب فيه بعض الأطراف بحصر شؤون البحر الأحمر على الدول المطلة عليه فقط وتهميش إثيوبيا برغم ثقلها السكاني الذي يتجاوز 130 مليون نسمة وتأثيرها الجيواقتصادي، تُطالب تلك الأطراف ذاتها بحقوق كاملة وصلاحيات واسعة في مياه نهر النيل.

وتشدد هذه المقاربة على أنه إذا كان مفهوم الشراكة الاستراتيجية والاستفادة المشتركة يُطرح كخيار أساسي لإدارة مياه النيل، فإن هذا المنطق المتبادل ينبغي أن ينطبق بصورة متكافئة على المنافذ البحرية والحرية الاقتصادية في البحر الأحمر.

وفي تطور ينطوي على أبعاد قانونية واقتصادية متقدمة، بإمكان أديس أبابا تفعيل اتفاقيات المياه العابرة للحدود وهو مبدأ قانوني ودولي تُطبقُه دول كبرى حول العالم، وهو الدفع مقابل خدمات النظم البيئية.

وتتلخص هذه الحجة في أن إثيوبيا تساهم بنحو 86% من إجمالي مياه نهر النيل وقامت خلال السنوات الأخيرة بزيادة الغطاء النباتي عبر زراعة أكثر من 48 مليار شجرة في مناطق الحوض، مما أسهم في تحسين جودة المياه وزيادة المنسوب والحد من تراكم الطمي أمام السدود في دول المصب.

وتستند في ذلك إلى التجارب الدولية المشابهة لتنظيم دفع التعويضات والمقابل المالي لحماية البيئة وتدفق الأنهار، كما هو الحال بين الولايات المتحدة وكندا، والولايات المتحدة والمكسيك، والصين.

وتؤكد الطروحات أن إثيوبيا وفرت هذه الخدمات البيئية والمائية مجاناً لعقود، في حين أن المعايير الدولية تُتيح لها المطالبة بمقابل مالي عن خدمات الحفاظ على البيئة المائية التي يستفيد منها دول المصب.

وتعتمد المقاربة الإثيوبية تمييزاً واضحاً بين علاقتها بالخرطوم والقاهرة؛ إذ تُوصَف العلاقة مع السودان بأنها علاقة جوار مباشر ومصير مجتمعي متداخل يتشارك فيه الشعبان الحدود واللغة والثقافة، مشيرة إلى أن سد النهضة يوفر فوائد مباشرة للسودان لا سيما في تنظيم مناسيب المياه وحماية السدود السودانية من الترسبات وتوفير الطاقة الكهربائية.

وفي المقابل، تُرجع الرؤية الإثيوبية أسباب التوتر الدائم مع الجانب المصري إلى استمرار الاعتماد على الموروث الاستعماري ومحاولات الاستحواذ التاريخي، داعيةً إياها إلى تغليب لغة العقل والقبول بالواقع الجديد القائم على التكافؤ.

تشير ملفات الأبحاث والدراسات العلمية الصادرة عن مراكز أبحاث وجامعات تهدف إلى التشكيك في أمان المنشآت المائية الإثيوبية، وكان آخرها ادعاءات تتعلق بسلامة السد الركامي الخاص بسد النهضة.

وتوضح أديس أبابا أن اللجان والفرق الفنية الهندسية في البلاد قامت بتفنيد تلك الدراسات وتبيان التلاعب بالبيانات والنماذج الرياضية المستخدمة فيها، وتمت مراسلة الجهات الناشرة والجامعات ذات الصلة لإيضاح الفبركة العلمية.

وتختتم الرؤية الإثيوبية بالتأكيد على أن قضية المياه وسد النهضة هي قضية وجودية، داعية الباحثين والأكاديميين الإثيوبيين داخل البلاد وخارجها إلى الخروج عن الصمت والإنخراط الفعال في نشر أبحاث موضوعية تدعم الحقوق الإثيوبية وتتصدى للروايات المضللة في المحافل الدولية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.