التواجد الإثيوبي في البحر الأحمر.. ضرورة استراتيجية
525
تتجه أنظار العالم نحو البحر الأحمر ومضيق باب المندب، باعتبارهما أهم الممرات المائية الحيوية تاريخياً والتي تتشابك فيها المصالح التجارية والأمنية.
غير أن هذا الممر يعاني اليوم تحديات أمنية متصاعدة؛ إثر هجمات جماعة الحوثي في اليمن وعودة نشاط القرصنة قبالة سواحل الصومال، ما يضع نحو 12% إلى 15% من حركة التجارة العالمية تحت خطر مباشر.
وفي هذا السياق، تحذر إيطاليا من أن إعاقة حركة الملاحة في البحر الأحمر تضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة حقيقية، مؤكدة جاهزيتها لنشر سفنها الحربية لحماية أسطولها التجاري حتى دون انتظار قرار جماعي من الاتحاد الأوروبي.
ورغم الانتشار العسكري للقوى الكبرى وبناء القواعد البحرية في المنطقة، إلا أن هذه الحلول لم تنجح في تحقيق أمن شامل واستقرار دائم.
فوفق تقارير إعلامية، بسط الحوثيون نفوذهم على السواحل الغربية لليمن، بما فيها المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، لتتحول التحركات من استهداف سفن بعينها إلى ما يشبه الحظر البحري الشامل، الذي تمدد عقب اضطرابات مضيق هرمز ليمس خطوط إمداد النفط ويرفع أسعار الطاقة عالمياً.
ورغم إنفاق القوى الغربية المليارات لتأمين المنطقة، لم تتمكن هذه الجهود من الوقف الكلي لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة.
لقد تحول البحر الأحمر بسبب تضارب المصالح الجيوسياسية إلى حلبة للتنافس الدولي، وسط توافق بين مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط على أن الأزمة الراهنة تُشكل تهديداً أمنياً ممتداً من قناة السويس إلى باب المندب؛ حيث إن انعدام الأمن في المدخل الجنوبي يهدد بانهيار التجارة الدولية وتدفقات رؤوس الأموال.
وفي قلب هذا الفراغ الأمني والاقتصادي، يبرز الدور الاستراتيجي الحاسم لإثيوبيا.
وكان رئيس الوزراء د. أبي أحمد قد أوضح هذا البعد الاستراتيجي بقوله: “إن البحر الأحمر وإثيوبيا يرتبطان بروابط طبيعية لا تقبل الفصل؛ والمنفذ البحري بالنسبة لإثيوبيا ليس مجرد رفاهية بل مسألة وجود”.
مشدداً على أن إبقاء دولة تضم نحو 130 مليون نسمة وتعد المحرك الاقتصادي الأول في شرق أفريقيا دون منفذ بحري، سيظل مصدراً للاضطراب السياسي والاقتصادي الإقليمي على المدى الطويل.
ومع اعتماد إثيوبيا على ميناء جيبوتي لتمرير تجارتها الخارجية، فإن الأعباء الاقتصادية الباهظة تجعل من أمن البحر الأحمر قضية وجودية لأديس أبابا.
ومن هذا المنطلق، لا يُعد المطلب الإثيوبي بالوصول إلى البحر تعدياً على سيادة الآخرين، بل دعوة تاريخية لحماية سيادتها الاقتصادية والمساهمة في أمن المنطقة؛ استناداً إلى تاريخ تأسيس القوات البحرية الإثيوبية منذ ستينيات القرن الماضي عام 1955.
وجاءت إعادة بناء القوات البحرية الإثيوبية اعتباراً من عام 2019 لتأكيد حرص البلاد على أن تكون شريكاً أمنياً موثوقاً يشارك في معالجة اختلال التوازن الأمني الإقليمي.
وبخلاف القوات الأجنبية العابرة، تُعد إثيوبيا دولة يرتبط وجودها واستقرارها المباشر بهذه المنطقة.
إن الوجود الفاعل للقوات البحرية الإثيوبية من شأنه تعزيز القدرات القارية لمكافحة تهريب السلاح، والاتجار بالبشر، والقرصنة، فضلاً عن تأمين تدفق البضائع إلى العمق الأفريقي دون عوائق.
ولإرساء أمن دائم في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، يحتاج المجتمع الدولي والقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى إعادة تموضع استراتيجية؛ تتجاوز حلول القواعد العسكرية المؤقتة نحو بناء إطار هيكلي شامل يضم الدول التي تمتلك مصلحة مباشرة ووجودية في استقرار المنطقة.
ومن هنا، يجدر بالمجتمع الدولي ودول الجوار التعامل مع المصلحة الوطنية الإثيوبية في الوصول إلى البحر بوصفها ضمانة للاستقرار لا مصدر تهديد.
إن حصول إثيوبيا على منفذ بحري ومشاركتها في حماية الممرات المائية هو الحل المستدام والوحيد لتوفير بيئة آمنة للتجارة الدولية والدول المطلة على البحر الأحمر على حد سواء.