تشهد القارة الأفريقية مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث بالتحول من عقود التبعية للخارج وثقافة الاعتماد على المساعدات وارتهان القرار السياسي، نحو كتابة ملامح مرحلة جديدة تعتمد على مواردها الذاتية وقدراتها الوطنية وتضافر جهود أبنائها.
وفي هذا المسار التاريخي للنهوض القاري، تتولى إثيوبيا دوراً قيادياً بارزاً؛ إذ لم تكتفِ بطرح الأفكار والرؤى الاستراتيجية فحسب، بل رسمت مساراً تنموياً عملياً أثبتت من خلاله جدارتها بالقيادة عبر تقديم نموذج ملموس يُحتذى به.
وأكدت الرئيسة السابقة لمفوضية الاتحاد الأفريقي، نكوسازانا دلاميني-زوما، أن جهود إثيوبيا للتنمية عبر قدراتها الذاتية والقرارات الشجاعة التي اتخذتها في قطاع الطاقة تمثل نموذجاً ملهماً لنمو القارة الأفريقية.
ويعكس هذا التقييم القرارات التاريخية والمشاريع التنموية المستدامة التي نفذتها البلاد في مختلف القطاعات، كدليل عملي أتاح للأفارقة استعادة الثقة في إمكانية تغيير واقعهم بالاعتماد على أراضيهم ومواردهم الخاصة.
ومنذ تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، تواصل إثيوبيا ترسيخ مكانتها؛ حيث حولت رمزيّتها التاريخية في الكفاح من أجل الاستقلال إلى ريادة اقتصادية ودبلوماسية تدعم التضامن والسلام القاريين.
وتسلّط تصريحات دلاميني-زوما الضوء على الدور القيادي المرتقب لإثيوبيا في القمة الروسية -الأفريقية، حيث تضطلع البلاد، باعتبارها الدبلوماسية الرئيسية للقارة، بمسؤوليتها التاريخية في قيادة الشراكات، وتعميم التجارب الناجحة، ودعم التنمية المستدامة وعمليات بناء السلام.
وتتعدد الشواهد التي تعكس هذا التوجه العملي؛ إذ أوضحت دلاميني-زوما أن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير يمثل دليلاً حياً على كسر ثقافة انتظار الدعم الخارجي والاعتماد على الذات.
ويشكل سد النهضة تحولاً نفسياً وفكرياً أطاح بالقيود السابقة المتعلقة بالارتهان للمساعدات الخارجية، حيث أثبت إمكانية تحقيق المشاريع الكبرى بالقدرات الوطنية.
وأشادت دلاميني-زوما بتكامل جهود الإثيوبيين في الداخل والخارج، وتمويلهم لهذا المشروع الضخم عبر المساهمات المالية والخبرات الفنية والجهود العمالية دون اعتداء على الموارد الخارجية، واصفة ذلك بالمعجزة في تاريخ التنمية الأفريقية.
وتؤكد هذه الخطوة قدرة الأفارقة على معالجة تحدياتهم الخاصة، وتستنهض في الوقت ذاته روح الثقة والاعتزاز القومي لدى شعوب القارة.
وفي هذا السياق، شددت دلاميني-زوما على أن توسيع آفاق النمو في أفريقيا والقضاء على الفقر وتحقيق السلام المستدام لن يتحقق إلا عندما تضع القارة ثقتها الكاملة في قدراتها الوطنية والقارية.
ودعت القادة الأفارقة إلى اتخاذ النموذج الإثيوبي في الثقة بالذات والقدرة على التنفيذ كمرجعية ملهمة، وحشد الطاقات البشرية والتطوير الطبيعي لدفع عجلة التنمية والازدهار.
إن المسار الذي بدأته إثيوبيا لبناء أفريقيا آمنة ومزدهرة تعتمد على قدرات مواطنيها وتكاملها الاقتصادي في مجال الطاقة، يظل قاعدة صلبة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي والنهضة الشاملة للقارة.