البحرية الإثيوبية.. درع السيادة وشريان الازدهار القادِم
76
حُرمت إثيوبيا من منفذها البحري نتيجة مؤامرة خفية سُرقت فيها حقوق البلاد، حيث ارتكبت هذه الجريمة التاريخية على يد سلطة غير منتخبَة افتقرت تماماً إلى الشرعية القانونية والشعبية.
ولم تتوقف آثار تلك الحقبة عند سلب البلاد ملكيتها للنافذة البحرية فحسب، بل امتدت لتطال تفكيك وتشتيت أفراد القوات البحرية الإثيوبية، التي ظلت منذ تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي ومقرها ميناء “مصوع” تمثل الدرع الحصين والواقي لسيادة البلاد، وحصناً أمنياً متكاملاً يكفل التنسيق مع القوات البرية والجوية لضمان امتلاك إثيوبيا قوة دفاعية ضخمة وفاعلة في القارة الأفريقية.
لقد امتلكت البحرية الإثيوبية في أوج عهدها كوادر بشرية عالية التدريب، وزوارق استطلاع سريعة، وسفناً حربية عملاقة، مما جعلها ركيزة أمنية إقليمية تؤمّن خطوط الإمداد اللوجستي وتصون المياه الإقليمية من الطرف الشمالي للبحر الأحمر وصولاً إلى المحيط الهندي.
غير أن فقدان هذا المنفذ الحيوي ألقى بظلاله الثقيلة على التجارة الخارجية التي أصبحت رهينة للمواقف المتغيرة للدول الأخرى، مما يُكبد الاقتصاد الوطني تكاليف باهظة تُقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن تعريض أسرار الأمن القومي والسيادة للمخاطر، وجعل الاقتصاد عرضة للهزات والمخاطر كلما تصاعدت التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، وضعت الحكومة الإثيوبية مسألة استعادة المنفذ البحري -باعتبارها مصلحة وطنية حيوية لا تنازل عنها- في صدارة أولوياتها الوطنية، وشرعت في إعادة تأسيس القوات البحرية الإثيوبية وفق رؤية حديثة تواكب مستجدات العصر.
وتُمثل هذه العودة خطوة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية ودبلوماسية وأمنية هامة، حيث تتيح لأديس أبابا حماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، وبناء شبكات تعاون أمني بحري مع الحلفاء الإقليميين، وترسيخ قدرتها على صد التهديدات البحرية بنفس كفاءة وحزم جاهزيتها البرية والجوية والسيبرانية.
إن إعادة إحياء البحرية الإثيوبية بجاهزية عصرية متكاملة تعد رسالة واضحة تعكس الإرادة الصلبة لحماية السيادة والمصالح العليا للبلاد، وضماناً حقيقياً لبناء مستقبل آمن ومزدهر للأجيال القادمة.