Fana: At a Speed of Life!

الحسابات الاستراتيجية الخاطئة في حوض النيل..

لماذا لن تنجح سياسة عزل إثيوبيا؟

على مدى أكثر من قرن، خضعت إدارة مياه نهر النيل لمنظومة غير متوازنة استندت إلى ترتيبات تاريخية أُبرمت خلال الحقبة الاستعمارية، أبرزها اتفاقيتا عامي 1929 و1959، اللتان لم تكن إثيوبيا طرفًا فيهما، رغم أن أكثر من 85% من مياه النيل تصل عبر روافد تنبع من الأراضي الإثيوبية، وعلى رأسها النيل الأزرق.

وقد أسست تلك الاتفاقيات واقعًا منحت فيه دول المصب امتيازات واسعة على حساب دول المنبع، بما في ذلك فرض قيود على مشروعات التنمية المائية، وهو ما اعتبرته العديد من دول الحوض نظامًا لا ينسجم مع مبادئ الاستخدام العادل والمنصف للموارد المشتركة.

وعندما أعلنت إثيوبيا عام 2011 بدء بناء سد النهضة الإثيوبي، سادت في بعض الدوائر المصرية قناعة بأن المشروع لن يتمكن من الصمود بسبب ضخامة تكلفته وتعقيداته الفنية، مع الاعتماد على فرضية أن إثيوبيا ستواجه صعوبة في تأمين التمويل اللازم من الخارج.

لكن مسار الأحداث جاء مختلفًا؛ إذ اختارت إثيوبيا تمويل المشروع اعتمادًا على مواردها الوطنية، حيث ساهم المواطنون الإثيوبيون داخل البلاد وخارجها في حملات شراء السندات ودعم المشروع، حتى تمكنت من توفير تكلفته التي تجاوزت خمسة مليارات دولار من مصادر محلية.

وبذلك لم يعد سد النهضة مجرد مشروع لإنتاج الطاقة الكهربائية، بل تحول إلى رمز للسيادة الوطنية والاعتماد على الذات، ونموذج لقدرة الدول على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى رغم الضغوط والتحديات الخارجية.

ثلاث مراحل في مسار مواجهة سد النهضة

تمثلت المرحلة الأولى في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2015، حيث تركزت الجهود المصرية على محاولة الحد من قدرة إثيوبيا على تنفيذ المشروع، سواء عبر الضغط السياسي أو السعي إلى عرقلة حصوله على التمويل الخارجي، انطلاقًا من الاعتقاد بأن المشروع قد يتوقف دون دعم دولي.

أما المرحلة الثانية، بين عامي 2015 و2021، فقد اتسمت بالتركيز على المفاوضات، خاصة حول طبيعة الاتفاق القانوني المنظم لتشغيل السد، وفي المقابل، أكدت إثيوبيا أن أي اتفاق يجب أن يحترم مبدأ الاستخدام المنصف للمياه وألا يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج ترتيبات تاريخية تمنح طرفًا واحدًا حق التحكم في مستقبل دول المنبع.

ومنذ عام 2021، ومع اقتراب اكتمال المشروع، اتجهت المواجهة إلى مستويات إقليمية ودبلوماسية أوسع، من خلال تكثيف التحركات السياسية والإعلامية، في الوقت الذي تؤكد فيه أديس أبابا أن سد النهضة مشروع تنموي لإنتاج الطاقة الكهرومائية ولا يهدف إلى الإضرار بأي دولة من دول المصب.

لماذا لن تنجح سياسة عزل إثيوبيا؟

إن محاولة عزل إثيوبيا دبلوماسيًا تصطدم بجملة من الحقائق الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية.

أول هذه الحقائق أن استقرار حوض النيل لا يمكن تحقيقه بتجاهل الدولة التي ينبع منها الجزء الأكبر من المياه، فالتعاون مع إثيوبيا يمثل ضرورة واقعية لضمان أمن مائي طويل الأمد لجميع دول الحوض.

كما أن التحولات الاقتصادية في شرق أفريقيا تفتح المجال أمام سد النهضة ليكون مصدرًا للتنمية الإقليمية، من خلال توفير الكهرباء النظيفة، ودعم التصنيع، وتعزيز الربط الاقتصادي بين دول المنطقة.

ومن الناحية القانونية، فإن انتشار الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل يعكس تحولًا تدريجيًا نحو مبادئ الاستخدام العادل والمعقول للمياه، بعيدًا عن الصيغ التاريخية التي لم تشارك فيها جميع دول الحوض.

ما بعد سد النهضة.. استراتيجية “المياهين” وإعادة تشكيل الدور الإثيوبي

إن اكتمال سد النهضة لا يمثل نهاية الطموح الإثيوبي، بل يشكل بداية مرحلة جديدة في رؤية أوسع تربط بين أمن النيل وأمن البحر الأحمر.

وتقوم استراتيجية “المياهين” على إدراك أن حوض النيل والبحر الأحمر يمثلان مجالين مترابطين جغرافيًا واستراتيجيًا؛ فالدولة التي تسعى إلى بناء اقتصاد صناعي قوي تحتاج إلى تأمين مصادر الطاقة، وكذلك ضمان منافذ تجارية وبحرية مستقرة.

وباعتبار إثيوبيا أكبر دولة غير ساحلية من حيث عدد السكان، فإن استمرار الاعتماد الكامل على موانئ خارجية يمثل تحديًا أمام توسعها الاقتصادي.
ولذلك فإن تعزيز خيارات الوصول البحري وبناء شراكات إقليمية في البحر الأحمر يشكل جزءًا من رؤية طويلة الأمد لتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتعزيز مكانتها الإقليمية.

إن الجمع بين القوة الكهربائية التي يوفرها سد النهضة، والاتصال البحري، والتكامل الاقتصادي مع دول الجوار، يمكن أن يحول إثيوبيا إلى مركز اقتصادي مؤثر في القرن الأفريقي.

مستقبل النيل.. من صراع النفوذ إلى شراكة المصالح

أثبت اكتمال سد النهضة أن محاولات إيقاف المشروع أو احتواء إثيوبيا لم تحقق أهدافها، فقد أصبح السد واقعًا قائمًا، وأحد أكبر مشاريع الطاقة في أفريقيا، ما يجعل التعامل معه من خلال منطق المواجهة خيارًا غير واقعي.

إن الطريق نحو الأمن المائي والاستقرار الإقليمي لا يمر عبر إعادة إنتاج صراعات الماضي أو التمسك بترتيبات تاريخية استُبعدت منها دول عديدة، بل عبر الاعتراف بالواقع الجديد، وبناء شراكة تقوم على تقاسم المنافع، وتبادل الطاقة، والتكامل الاقتصادي، والإدارة التعاونية لموارد حوض النيل.

فالمستقبل لن يكون لمنطق الهيمنة أو العزل، بل لمن ينجح في تحويل الموارد المشتركة إلى أدوات للتنمية والسلام الإقليمي.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.