القوات البحرية الإثيوبية.. القصة الكاملة بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر
51
فرض الموقع التاريخي والإستراتيجية الجيوسياسية لإثيوبيا حضورها كقوة رئيسية ومؤثرة في مياه البحر الأحمر منذ القدم؛ حيث شكّل بناء القوات البحرية حجر الزاوية في حماية السيادة الوطنية والتجارة الإقليمية.
غير أن مسار هذه المؤسسة القومية واجهت محطات وتحديات من القرارات السياسية والتي أضرت بمصالح الوطن ومكتسباته التاريخية.
وتعود جذور تأسيس البحرية الإثيوبية إلى منتصف القرن الماضي مع إعلان قيام “القوات البحرية الإمبراطورية” عام 1956م، وتأسيس أولى قواعدها العسكرية في ميناء مصوع.
وتجلت الرؤية الوطنية في إنشاء كلية البحرية لتخريج كفاءات وضباط مؤهلين وفق أعلى المعايير؛ حيث جرى ابتعاث الضباط والكوادر الإثيوبية للتأهيل والتدريب في أعرق وأبرز الأكاديميات البحرية العالمية في الولايات المتحدة وإيطاليا، والذين صاغوا العقيدة العسكرية للسلاح بأعلى درجات الانضباط.
وتوجت هذه الجهود بإبحار السفن التاريخية الخالدة مثل “زراي ديريس” و”إثيوبيا” في مياه البحر الأحمر مرفرفةَ بالعلم الإثيوبي الشامخ كرمز لا يتجزأ من السيادة الوطنية.
ومع التحول الحكومي عام 1974م، تمت إعادة بناء السلاح وفق شراكات إستراتيجية متقدمة مع الاتحاد السوفيتي؛ حيث تم تعزيز الأسطول بزوارق صواريخ حديثة وقطع هجومية سريعة.
وبلغ قوام هذه القوة الضاربة أكثر من 11 ألف منتسب من أبناء الوطن، مما جعلها القوة الأكثر اقتداراً وهيمنة في المنطقة، إلا أن أحداث الحروب الداخلية والنزاعات المسلحة التي شهدها شمال البلاد وضعت مقدرات المؤسسة أمام استهداف مباشر وضغوطات ميدانية قاسية، تجلت في الأضرار البالغة التي لحقت بها خلال العمليات العسكرية في ميناء مصوع.
وفي عام 1991م، تلقت السيادة الوطنية والمؤسسة العسكرية لخسائر عقب التغيرات السياسية آنذاك، والتي أبدت تفريطاً وإهمالاً غير مسبوق لمقدرات الوطن؛ حيث رفضت السلطة الانتقالية استلام الأسطول البحري والقطع المتبقية التي أبحرت بشرف لحماية نفسها ودخول سواحل اليمن والسعودية.
ونتج عن هذا الإهمال المؤسسي ترك السفن الوطنية دون صيانة لتتعرض للتفكيك والبيع كـ “خردة” في الموانئ المجاورة، ولجأة الكوادر والضباط العسكريين المؤهلين عالمياً في ديار الاغتراب، وإغلاق القيادة البحرية رسمياً في خطوة جردت إثيوبيا من حقوقها البحرية وتحويلها قسراً إلى دولة غير ساحلية.
وفرض هذا التجريد القسري والعزلة البحرية عقوداً من الضغوط الجيوسياسية والابتزاز اللوجستي على الأمة الإثيوبية، وإدراكاً لهذه التحديات المؤثرة على الأمن القومي والوجودي لـ 120 مليون إثيوبي، اتخذت القيادة الوطنية في عام 2018م القرار التاريخي الشجاع بإعادة تأسيس القوات البحرية الإثيوبية، إيذاناً بكسر القيد واستعادة الحقوق التاريخية.
ومع إعادة الهيكلة الشاملة للمؤسسة عام 2020م، جرى إبرام شراكات إستراتيجية واسعة مع فرنسا وإيطاليا وروسيا وتأهيل كوادرنا وفق أحدث العلوم والتكنولوجيا العسكرية.
وتؤكد أديس أبابا اليوم موقفها الثابت والراسخ في ممارسة حقها الطبيعي والشرعي للوصول إلى البحر الأحمر وحماية ممراتها التجارية، مؤكدة أن العودة إلى البحر الأحمر هي خيار سيادي ووجودي لا رجعة عنه.
إن القوات البحرية الإثيوبية المعاد بناؤها اليوم لا تحمل أهدافاً عدوانية تجاه أحد، بل تقف كقوة ردع صلبة وركيزة أساسية لصون السلام والاستقرار الإقليمي، وحماية حرية الملاحة والتجارة في البحر الأحمر والمحيط الهندي، جاعلة من السيادة الإثيوبية الحصن المنيع الذي لا يُمس.