Fana: At a Speed of Life!

النيل الأزرق شريان للتنمية.. قراءة صحفية في محاولات التصعيد الإعلامي وتسييس ملف المياه

إن نهر النيل الأزرق يمثل مساراً حيوياً للتنمية ومصدراً رئيساً للاستقرار الإقليمي، كما أن حق إثيوبيا الأصيل في استغلال مواردها المائية يظل قراراً سيادياً تنموياً مكفولاً بموجب المبادئ الدولية، ولا يصح بحال من الأحوال أن يتحول إلى موضوع للتخمين الإعلامي أو الإثارة في المقابلات التلفزيونية التصعيدية.

ياتي هذا التقييم الصحفي في أعقاب المقابلة التلفزيونية التي أجرتها الصحفية الأمريكية هادلي غامبل مع وزير الخارجية المصري عبر منصة “ذا ناشيونال”، وهي المقابلة التي تعمدت فيها المذيعة توجيه الحوار حول الموارد المائية ونهر النيل نحو لغة التهديد الضمني والإيحاء بخيارات المواجهة العسكرية.

لا تكمن المشكلة بطبيعة الحال في طرح أسئلة صحفية جريئة؛ فالعمل الصحفي المهني يتطلب التحدي والمساءلة الحقيقية لأصحاب القرار، لكن الأزمة تجسدت في التوجيه الأيدولوجي والمنحاز للحوار عمداً نحو التصعيد، واختزال الملف التنموي المعقد لإثيوبيا في قالب التهديد الأمني المباشر لمصر.

لقد تجاوزت التغطية حدود الأسئلة الدبلوماسية المتعارف عليها عندما صاغت غامبل أسئلتها بلغة مشحونة، وتساءلت بشكل صريح ومباشر عن “جدوى الامتناع عن استخدام القوة العسكرية”، وهو طرح يبتعد تماماً عن معايير الصحافة الإخبارية المسؤولة ويتحول إلى أداة للتحريض وتغذية التوتر في منطقة شديدة الحساسية.

إن تحويل قضايا التنمية المشروعة إلى أزمات وجودية وافتراض انسداد أفق الحلول الدبلوماسية بصورة مسبقة يخدم خطاب التأزيم بدلاً من فتح المساحات السياسية للحوار، ولا سيما في ملف مائي دقيق يمس سبل عيش ملايين الشعوب في جميع دول حوض النيل.

وعلى الصعيد التاريخي، استندت المواقف الداعية لتقييد التنمية في دول المنبع إلى أطر موروثة ومفاهيم قديمة، في مقدمتها اتفاقية عام 1959 التي أُبرمت في حقبة سابقة ودون مشاركة إثيوبيا أو إرادتها السيادية، ومثل هذه الترتيبات لم تعد صالحة اليوم لإدارة الواقع التنموي أو تحديد الملامح المستقبلية لمنطقة حوض النيل.

إن الحقوق التنموية لدول المنبع في أفريقيا لم تعد قابلة للتأجيل أو التعطيل تحت أي ذرائع؛ فمن حق هذه الدول الاستفادة من مواردها الوطنية المائية لتوليد الطاقة الكهرومائية، ودفع عجلة التصنيع، وتحقيق النهضة الاقتصادية المستدامة لشعوبها، وهو حق تنموي مكفول للجميع وليس خطوة عدائية موجهة ضد أي طرف.

تؤكد إثيوبيا باستمرار ومسؤولية أنه لا مصلحة لها على الإطلاق في الإضرار بأمن مصر المائي أو تقليص تدفقات المياه لأي من دول المصب، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بفرض أي وصاية خارجية على مشاريعها الوطنية المشروعة أو رهاب قرارها التنموي المستقل بمواقف إعلامية أو سياسية متشنجة.

إن حوض النيل بحاجة ماسة اليوم إلى تعزيز الدبلوماسية التنموية، وتفعيل أطر التعاون الفني المبني على الحقائق العلمية والحلول الشاملة والمصالح المتبادلة، والابتعاد الكامل عن التجييش الإعلامي والمناوشات الكلامية التي لا تخدم استقرار المنطقة.

وسيظل نهر النيل الأزرق شرياناً رئيساً للتنمية والتعاون الإقليمي الشامل، حيث تواصل إثيوبيا استغلال مواردها المائية بمسؤولية وطنية عالية، وعلى قاعدة المساواة السيادية والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة مع كافة دول الجوار.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.