سد النهضة الإثيوبي: نموذج حي لـ «رمزية المستحيل» والنصر الوطني الثاني
75
يُعد النصر التاريخي في معركة عدوا الشاهد الأبرز على قدرة الإثيوبيين على تحقيق المستحيل عندما يتوحدون؛ واليوم يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير كـ “عدوا ثاني” تُجسد العزيمة الوطنية ذاتها، حيث استطاع أبناء البلاد تحويل المقولة التاريخية الشائعة «النيل لا مقر له، يمر حاملاً الأغصان والجدوع» إلى أثرٍ من الماضي، ليصبح للنهر مقرٌ دائم يفيض بالنور والتنمية لإثيوبيا.
ولم يكن هذا المشروع العظيم مجرد تغيير لمفهوم استغلال الموارد الطبيعية عبر التاريخ، بل تحول إلى رمزٍ قاري يُثبت قدرة الأفارقة على الإنجاز والانتصار وتحقيق التنمية الذاتية.
وفي الوقت الذي كانت تحقق فيه إثيوبيا هذا الإنجاز التاريخي، لم تتوقف المحاولات الساعية لعرقلة مسيرتها التنموية؛ إلا أن الإثيوبيين وقفوا حراسًا لهذا الملف الوطني، مقتطعين من أقواتهم اليومية لتمويل السد وبنائه، ليرسخوا بذلك إرثًا تاريخيًا ومصدر فخر واعتزاز للأجيال القادمة.
وتتمتع إثيوبيا بتاريخ حافل في احترام القانون الدولي والمبادئ والأعراف المنظمة لاستخدام المياه؛ حيث استندت في استغلال نهر النيل والأنهار العابرة للحدود إلى قواعد الاستخدام المنصف والمجرد من الإضرار بدول المصب، متبعة نهجاً مسؤولاً يضمن العدالة للجميع.
وكما أكد رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد مراراً، فإن بناء سد النهضة تم بطريقة تحمي المصالح الوطنية لإثيوبيا وتضمن عدم إلحاق الضرر بدولتي المصب، وهي السياسة التي تحكم كافة الأعمال المتبقية.
وتستند إثيوبيا في استخدام مياه النيل إلى اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة عام 2015 مع مصر والسودان، مشددة على أن السد يحقق فوائد متعددة لدولتي المصب خلافاً للادعاءات؛ حيث يسهم في تنظيم تدفق المياه على مدار العام، ويحد من أخطار الفيضانات المتكررة في السودان، ويقود إلى توفير طاقة كهربائية مستقرة ومستدامة لكل من السودان ومصر.
إضافة إلى ذلك، فإن موقع السد في مرتفعات تتميز ببرودة المناخ يقلل من معدلات تبخر المياه مقارنة بالمناطق المنخفضة شديدة الحرارة، مما يحافظ على المنسوب المائي المتدفق نحو دول حوض النيل.
إن المحاولات الاستناد إلى المعاهدات الاستعمارية القديمة التي لم تكن إثيوبيا طرفاً فيها ولن توقع عليها، لن تمنع البلاد من استغلال مواردها الطبيعية؛ فبعد 14 عاماً من العمل الجاد، ينطلق المشروع ليوفر النور والتنمية للشعب الإثيوبي.
وكما تجسدت الوحدة في سد النهضة ومبادرة البصمة الخضراء، يجب أن تظل ركيزة أساسية لحماية كافة المصالح الوطنية.