النيل والبحر الأحمر.. ركيزتان استراتيجيتان في مسار إثيوبيا
يرتبط الدور الجيوسياسي لإثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي ارتباطًا وثيقًا بموردين مائيين بالغَي الأهمية، هما نهر النيل والبحر الأحمر، حيث يمثلان محورين أساسيين في رؤية البلاد لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الوطني، وترسيخ مكانتها الإقليمية.
فهذان الموردان المائيان لا يُنظر إليهما باعتبارهما مجرد ثروات طبيعية، بل كعناصر استراتيجية ترتبط بمستقبل إثيوبيا ومصالحها الوطنية.
فمن جهة، يمثل نهر النيل مصدرًا رئيسيًا للتنمية والطاقة والثروة، ومن جهة أخرى يشكل البحر الأحمر بوابة حيوية للتجارة الدولية والتواصل الاقتصادي وتعزيز الحضور الجيوسياسي.
ويحظى نهر النيل، وخاصة النيل الأزرق، بمكانة مركزية في مسيرة التنمية الإثيوبية، إذ ترى أديس أبابا أن الاستفادة من مواردها المائية تمثل حقًا أساسيًا لتحقيق تطلعات شعبها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، جاء سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره مشروعًا استراتيجيًا وصفته إثيوبيا بأنه ثمرة حلم تناقلته أجيال متعاقبة، ومرحلة تاريخية تهدف إلى تعزيز قدرة البلاد على الاستفادة من إمكاناتها المائية.
وقد ساهم سد النهضة في تعزيز إنتاج الطاقة الكهربائية، ودعم خطط التنمية الاقتصادية، إضافة إلى دوره في تعزيز الربط الكهربائي بين إثيوبيا ودول الجوار، بما يفتح المجال أمام مزيد من التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.
وترى إثيوبيا أن تنمية موارد نهر النيل يجب أن تقوم على مبادئ الاستخدام العادل والمنصف، بما يضمن استفادة جميع دول الحوض من إمكاناتها المائية، مع الالتزام بعدم إلحاق الضرر بالدول الأخرى.
ومن هذا المنطلق، تؤكد أديس أبابا حقها في استخدام مواردها الطبيعية لدعم التنمية وتحسين مستوى معيشة مواطنيها.
وبالتوازي مع أهمية نهر النيل، يمثل البحر الأحمر بعدًا استراتيجيًا آخر في الحسابات الإثيوبية، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ونافذة رئيسية للتجارة العالمية وحركة الاقتصاد الدولي.
وتعتبر إثيوبيا أن الوصول إلى البحر الأحمر لا يرتبط فقط بالحاجة الاقتصادية والتجارية، بل يرتبط أيضًا بالأمن الوطني والدور الإقليمي. فوجود ارتباط تجاري وبحري فعال مع هذا الممر الحيوي يمكن أن يعزز قدرة البلاد على تنمية تجارتها الخارجية، وتوسيع علاقاتها الاقتصادية، وتعزيز اندماجها مع محيطها الإقليمي والدولي.
كما أن الحفاظ على أمن واستقرار البحر الأحمر يُعد، وفق الرؤية الإثيوبية، عاملًا مهمًا لاستقرار المنطقة بأكملها، نظرًا لما يمثله هذا الممر البحري من أهمية في حركة التجارة العالمية وأمن الإقليم.
وبينما يمثل تطوير الطاقة عبر نهر النيل، وخاصة من خلال سد النهضة، جانبًا أساسيًا من استراتيجية إثيوبيا التنموية، فإن تعزيز الوصول إلى الموانئ والطرق التجارية عبر البحر الأحمر يمثل جانبًا مكملًا لتحقيق النمو الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية.
وترى إثيوبيا أن تجربتها مع نهر النيل، التي توجت بإنجاز سد النهضة، تمثل تحولًا تاريخيًا أنهى مرحلة طويلة من التحديات المتعلقة بالاستفادة من مواردها المائية.
وفي المقابل، تعتبر أن قضية البحر الأحمر تمثل أحد الملفات الاستراتيجية المستقبلية التي تسعى إلى تحقيق تقدم فيها بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز التعاون الإقليمي.
إن مستقبل إثيوبيا، وفق هذه الرؤية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذين الموردين المائيين؛ فالنيل يمثل ركيزة للتنمية والطاقة، بينما يمثل البحر
الأحمر منفذًا للتجارة والتواصل الجيوسياسي.