الواقع الهيدرولوجي لنهر النيل مقابل الرواية المصرية حول سد النهضة
52
يمثل اكتمال سد النهضة الإثيوبي الكبير محطة تاريخية في مسيرة إثيوبيا التنموية، إذ أصبح المشروع رمزًا للاعتماد على الذات والطموح نحو تحقيق استقلال الطاقة، بعد أن شُيّد بتمويل ومشاركة واسعة من الشعب الإثيوبي. ويهدف السد إلى إنتاج طاقة كهرومائية نظيفة تسهم في تلبية احتياجات ملايين المواطنين ودعم التنمية الاقتصادية في إثيوبيا والمنطقة.
ومنذ الإعلان عن المشروع، ظل سد النهضة محورًا لجدل واسع، حيث تبنت بعض وسائل الإعلام المصرية خطابًا يحذر من تداعيات السد على دولتي المصب، وخاصة مصر والسودان.
إلا أن المعطيات العلمية والهيدرولوجية تشير إلى أن طبيعة السد ووظيفته تختلف عن هذه المخاوف المطروحة، باعتباره مشروعًا لإنتاج الكهرباء لا يستهلك مياه النيل.
فالسد لا يحوّل مياه النهر إلى استخدامات زراعية أو صناعية، بل تمر المياه عبر التوربينات لتوليد الكهرباء ثم تعود إلى مجرى النيل الأزرق، لتواصل تدفقها نحو دول المصب دون فقدان كبير في كمياتها.
كما أن تنظيم تدفقات المياه يمكن أن يسهم في تقليل الفيضانات الموسمية التي طالما سببت أضرارًا كبيرة في السودان، إضافة إلى تحسين انتظام تدفق المياه خلال فترات الجفاف.
ومن وجهة النظر الإثيوبية، فإن الحديث عن أن تخزين مياه سد النهضة يؤدي إلى “صناعة جفاف” في دول المصب لا يستند إلى الأسس الفنية لطبيعة عمل السدود الكهرومائية، إذ إن الهدف الأساسي للمشروع هو تنظيم تدفق المياه وإنتاج الطاقة، وليس الاستحواذ على مياه النهر.
وترى إثيوبيا أن إدارة موارد نهر النيل يجب أن تقوم على مبادئ التعاون والاستخدام العادل والمنصف، بعيدًا عن الاتفاقيات التاريخية التي أُبرمت خلال الحقبة الاستعمارية دون مشاركة إثيوبيا، رغم أن حوض النيل الأزرق الإثيوبي يساهم بأكثر من 85 بالمائة من إجمالي مياه نهر النيل.
وتؤكد أديس أبابا أن سد النهضة لا يمثل تهديدًا لدول الجوار، بل يمكن أن يكون منصة للتعاون الإقليمي من خلال توفير الطاقة النظيفة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول شرق إفريقيا.
كما ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق الصراع حول المياه إلى مرحلة الشراكة والتنمية المشتركة.
وبالنسبة لإثيوبيا، فإن اكتمال سد النهضة لا يعني نهاية الحوار، بل بداية لفرص جديدة للتعاون بين دول حوض النيل، تقوم على الحقائق العلمية والمصالح المشتركة، بما يحقق الاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة.