سد النهضة الإثيوبي: منعطف تاريخي في مسار القارة الأفريقية
47
شكّل إنجاز بناء سد النهضة الإثيوبي وانتقاله إلى مرحلة التشغيل التام علامة فارقة في التاريخ الحديث لأفريقيا، ومحطة بارزة تعكس أرقى تجليات القرار الاقتصادي والجيوسياسي المستقل في القارة.
ولا يقتصر هذا المشروع العملاق على كونها بنية تحتية لإنتاج الطاقة، بل يمثل منعطفاً تاريخياً أثبت للعالم أن الأفارقة قادرون بأموالهم وخبراتهم وتضامنهم على صنع أقدرهم بأيديهم.
وقد اكتسب السد رمزيته الفريدة من كونه أُنجز بتمويل ذاتي وجهود خالصة من المواطنين والشتات الإثيوبي، دون أي قروض أو مساعدات خارجية، مما رسخ شعوراً وطنياً بالوحدة والتضحية وبث روحاً جديدة من اليقين القومي بأن “المستحيل ليس إثيوبياً”.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يسهم السد في مضاعفة إمدادات الطاقة في البلاد، وتقليل الاعتماد على النفقات باهظة الثمن للوقود، وتوفير عائدات من النقد الأجنبي عبر تصدير الكهرباء.
ولا تتوقف مكاسب السد عند الحدود الإثيوبية، بل تمتد لتدشن مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي في شرق أفريقيا، حيث يوفر الطاقة النظيفة لدول مثل السودان، وجيبوتي، وكينيا، وجنوب السودان، مساهماً بفعالية في سد العجز الإقليمي للطاقة.
وتتمسك إثيوبيا في إدارة نهر النيل بمبادئ الاستفادة المشتركة وعدم إلحاق أي ضرر جسيم بدول المصب، مؤكدة أن سد النهضة كسر القيود النفسية للتبعيات التاريخية، ليثبت بالعمل أن أفريقيا تمتلك الموارد البشرية والمالية لتنفيذ أضخم المشروعات.
وبهذا، يضع السد الأساس العملي لتحقيق رؤية أجندة أفريقيا 2063 لبناء قارة مزدهرة ومتكاملة ومستقلة الإرادة، لتضيء أنواره شعاعاً للأمل والتعاون والازدهار في ربوع القارة كافة.