Fana: At a Speed of Life!

سياسة المائين.. معادلة إثيوبيا

منذ انفصال إريتريا في عام 1993 وتحول إثيوبيا إلى دولة غير ساحلية، فرضت القيود الجغرافية الهيكلية واقعاً أثر بشكل عميق على اقتصاد البلاد وأمنها ومكانتها الجيوسياسية في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر، حيث ظلت تجارتها الخارجية تعتمد بشكل شبه كامل على موانئ دول الجوار، مما أضعف قدرتها على انتهاج سياسة خارجية مستقلة وحازمة.

وفي مواجهة هذه التحديات قامت الحكومة الإثيوبية برفع ملف الوصول إلى البحر إلى مستوى القضية الوجودية والحضارية.

وقد تبلورت هذه المقاربة في صياغة استراتيجية متكاملة تُعرف بـ سياسة المائين والتي تربط بصورة وثيقة بين سد النهضة كمصدر للطاقة والتنمية، والسعي الدؤوب لتحقيق وصول سيادي ومباشر إلى منفذ على البحر الأحمر.

وتهدف هذه الاستراتيجية بشكل أساسي إلى حماية المصالح الحيوية العليا لإثيوبيا من أي ضغوط إقليمية تهدف إلى محاصرتها بحرياً، إلا أنها تمثل اليوم المحور الأساسي والمحرك الأول للسياسة الخارجية الإثيوبية.

وتزداد أهمية هذه السياسة بالنظر إلى التنافس الجيوستراتيجي التاريخي في المنطقة؛ حيث تقع إثيوبيا في موقع بعيد من الناحية الجغرافية عن مصر، ومع ذلك جرت محاولات تاريخية من جانب مصر للسيطرة على إثيوبيا واحتوائها، وتُعد معركتا “جوندت” و”جورا” أمثلة بارزة على المحاولات غير الناجحة التي تصدت فيها القوات الإثيوبية للمساعي المصرية لبسط السيطرة الميدانية وتأسيس نفوذ إقليمي واسع على حساب دول الحوض والقرن الأفريقي.

وفي الآونة الأخيرة، اعتمدت استراتيجيات الاحتواء المصرية على استغلال مواطن الضعف لدى بعض الدول، والحقيقة أن مصر ليست معفاة هي الأخرى من التحديات الداخلية؛ حيث تواصل المؤسسات المالية الدولية الإعراب عن قلقها بشأن الأوضاع الاقتصادية وإدارة الاقتصاد لديها.

ورغم هذه التحديات، سعت مصر إلى إقامة تحالفات يُنظر إليها على أنها غير ودية تجاه إثيوبيا من خلال اللعب على نقاط ضعف الدول الأخرى.

وتبدو الاستراتيجية المصرية المناوئة بسيطة للغاية، وتتلخص في محاولة احتواء إثيوبيا من خلال مواجهة مبادراتها الاستراتيجية أو طموحاتها الوطنية. فعلى سبيل المثال، عندما خططت إثيوبيا لبناء مشروع سد النهضة، ظهرت معارضة مصرية قوية للمشروع وتنفيذه منذ البداية، ورغم سنوات من الاتهامات، نجحت إثيوبيا في إكمال وافتتاح بناء السد.

وعلى النحو ذاته، عندما أعلنت إثيوبيا عن مسعاها المشروع للحصول على منفذ بحري، جاءت الردود المصرية بطريقة زادت من حدة التوترات الدبلوماسية وسعت لتأليب التكتلات الإقليمية ضدها.

ورداً على محاولات التهميش واستبعاد إثيوبيا من ترتيبات المنطقة، أكدت وزارة الخارجية الإثيوبية بوضوح أن إثيوبيا هي مصدر نهر أباي، المعروف باسم النيل الأزرق.

وينبع النيل الأزرق بكامله تقريباً من الهضبة الإثيوبية، ويسهم نهر أباي بنحو 80% من إجمالي تدفق نهر النيل وبإستبعاد إثيوبيا من القضايا التي تمس أمنها بدرجة قصوى، يجب على مصر إدراك حقيقة أنه لا يمكن إعادة كتابة الجغرافيا ولا تغيير التدفق الطبيعي لنهر النيل القادم من الهضبة الإثيوبية.

فالواقع أن التاريخ أثبت أن استراتيجيات الاحتواء المصرية قد فشلت عدة مرات؛ وبناءً على ذلك، فإن المحاور والتكتلات الناشئة لن تنجح في تحقيق غايتها بعزل إثيوبيا عن مواردها الحيوية في نهر النيل والبحر الأحمر.

إن التعاون الإقليمي الحقيقي يتطلب من مصر إعادة النظر في أساليبها والانخراط مع إثيوبيا من خلال حوار بناء قائم على المصالح المشتركة والاعتراف بالحقائق الجغرافية والتاريخية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.