لم يكن سعي إثيوبيا للوصول إلى منفذ بحري يوماً مجرد محاولة للوصول إلى الشريط الساحلي فحسب؛ ففي القمة الثامنة عشرة لمجموعة البريكس المنعقدة بنيودلهي، وضع رئيس الوزراء د. أبي أحمد هذا السعي الوطني الممتد داخل إطار اقتصادي أوسع نطاقاً، يكمن في كيفية تحريك اقتصاد كبير ونامٍ بفاعلية وكفاءة أكبر نحو الأسواق الدولية، وتعميق التجارة مع اقتصادات البريكس الشريكة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز المرونة التجارية، وتوسيع نطاق مشاركته في الاقتصاد العالمي.
وتجلت أهمية كلمته في كيفية ربطه بين قضايا غالباً ما تُناقش بشكل منفصل؛ إذ لم تظهر ملفات التمويل، والأسواق، والمدفوعات، والربط المادي، والوصول إلى البحر كملفات معزولة، بل كأجزاء متكاملة ضمن معادلة اقتصادية واحدة.
وقال رئيس الوزراء أمام القمة في يومها الثاني أن الحصول على التمويل يجب أن يقترن بالنفاذ إلى الأسواق، ليتحول بعد ذلك من قضية الأسواق إلى آليات الوصول إليها، مؤكداً أن التجارة تنمو عندما تتحرك البضائع والمدفوعات معاً بكفاءة،
وداعياً البنوك المركزية إلى اتخاذ خطوات عملية نحو تسهيل معاملات مالية عابرة للحدود تكون أسرع وأقل تكلفة وأكثر أماناً.
وأوضح أن الغرض من ذلك يتجاوز مجرد تبسيط المعاملات المالية، إذ إن تطوير شبكات الدفع من شأنه دعم التجارة والاستثمار، وإتاحة الفرصة لمزيد من أصحاب الأعمال والشركات الصغيرة للوصول إلى أسواق جديدة.
وهنا تحديداً يلتقي أفق أديس أبابا البحري مع هذه المعادلة؛ حيث أوضح د. أبي أحمد أن الربط المادي لا يقل أهمية، مؤكداً بأن الوصول إلى البحر يمثل بالنسبة لإثيوبيا ضرورة اقتصادية في المقام الأول.
تسلسل الأفكار والرؤية الشاملة
إن هذا التسلسل يحمل دلالة جوهرية؛ إذ لا يمكن الاستفادة الكاملة من أي سوق إذا كانت البضائع لا تصل إليه بكفاءة، كما لا يمكن للتجارة أن تتوسع بسهولة إذا ظل نظام المدفوعات مكلفاً أو معقداً، فضلاً عن صعوبة التوسع في الاستثمارات حين تكون الروابط التجارية ضعيفة.
بالنسبة لاقتصاد كبير يسعى إلى مشاركة أوسع في التجارة الدولية، يصبح الوصول المادي إلى طرق تجارية موثوقة ومتنوعة جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن الطريق إلى البحر بالنسبة لإثيوبيا هو أيضاً جزء من الطريق نحو الأسواق.
ما بعد الشريط الساحلي
أضفى حديث رئيس الوزراء على المسألة البحرية لإثيوبيا بعداً اقتصادياً واضحاً، حين أشار إلى أن إثيوبيا باقتصادها الواسع والنامي بحاجة إلى نفاذ موثوق ومتنوع إلى طرق التجارة الدولية.
وهذا الطموح يتجاوز الجغرافيا المباشرة للموانئ والممرات اللوجستية، ليركز على كيفية وضع القدرات الإنتاجية المتنامية لإثيوبيا ضمن شبكات أوسع للتجارة الدولية؛ إذ ترغب البلاد في زيادة صادراتها، والشراء بكفاءة أعلى، وجذب المزيد من الاستثمارات، والمشاركة بشكل أعمق في أسواق قادرة على تسريع التحول الاقتصادي المحلي.
وتشكل مجموعة البريكس ساحة رئيسية لتحقيق هذا الطموح، حيث يجمع التكتل اقتصادات كبرى تتمتع بأسواق استهلاكية ضخمة، وقدرات صناعية، وموارد مالية، وتكنولوجيا، وشبكات تجارية واسعة.
بالنسبة لإثيوبيا، فإن تعميق الانخراط الاقتصادي داخل هذا التكتل يفتح مسارات تجارية إضافية تتنوع بين المنتجات الزراعية والسلع المصنعة، وصولاً إلى المعادن والطاقة والتكنولوجيا والخدمات، مع خلق مساحات أوسع للشراكات الاستثمارية والصناعية.
ويتكامل هذا مع الطرح العام الذي قدمه أبي أحمد للقمة، ومفاده أن البريكس يمتلك رأس المال والتكنولوجيا والأسواق و الموارد والقدرات الإنتاجية والفرص التي يمكن جمعها معاً لخلق قيمة أكبر.
وعليه، فإن المسألة بالنسبة لإثيوبيا لا تقتصر على مجرد كيفية الحصول على منفذ بحري، بل تمتد إلى ما يمكن تحقيقه بمجرد ربط هذا المنفذ بالأسواق العالمية.
من ممرات الدفع إلى الطرق التجارية
يقدم تركيز رئيس الوزراء على المدفوعات عابرة الحدود زاوية أخرى لهذه الصورة؛ فالمرور الفيزيائي للسلع وحده لا يكفي لاستمرار التجارة الدولية، بل تحتاج البضائع إلى قنوات مالية تمكن البائعين والمشترين من إجراء المعاملات بكفاءة.
ويعكس طلب إثيوبيا لتسهيل معاملات مالية أسرع وأقل تكلفة وأكثر أماناً داخل بريكس هذا الواقع؛ إذ إن تبسيط ترتيبات الدفع يقلل العقبات أمام المعاملات بين الشركات في مختلف الدول، ويدعم الاستثمار، ويسهل على المنشآت الصغرى المشاركة في التجارة الدولية.
وبهذا المعنى، امتد الطرح الإثيوبي في بريكس من الخريطة الجغرافية إلى الخريطة المالية؛ فالمرور اللوجستي ينقل البضائع، بينما ينقل مسار الدفع القيمة المالية، ولا غنى للسوق الفعال عنهما معاً.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة لاقتصاد يسعى للتوسع إلى ما هو أبعد من العلاقات التجارية التقليدية وتعميق الانخراط مع الأسواق الناشئة الكبرى.
فكلما تحركت البضائع ورؤوس الأموال والمدفوعات بين الاقتصادات بكفاءة أعلى، زادت قدرة التجارة على التحول إلى محرك للاستثمار والإنتاج والتوظيف، بدلاً من الاقتصار على مجرد تبادل المنتجات النهائية.
ويزيد جدول أعمال بريكس الواسع من أهمية هذا النقاش، حيث ركز إعلان نيودلهي الصادر عن القمة على توسيع التجارة بالعملات المحلية وتحسين آليات الدفع عبر الحدود، وهو ما يعزز الاتجاه الذي دعت إليه إثيوبيا لتحقيق ربط اقتصادي عملي.
البحر كمضاعف اقتصادي
من هذا المنظور، يصبح المنفذ البحري أكثر بكثير من مجرد مسألة لوجستية؛ فهو يؤثر مباشرة في تكلفة إيصال المنتجات الإثيوبية إلى المشترين الأجانب، وتكلفة استيراد المدخلات والآلات، وتنافسية المنتجين المحليين، ومدى موثوقية سلاسل الإمداد.
بالنسبة للمصنعين والمصدرين والمستوردين، فإن توفر طرق تجارية دولية موثوقة يؤثر في قرارات تبدأ بعيداً عن ساحل البحر: مثل مكان إنشاء المصنع، ومن أين تُجلب المواد الخام، وما هي الأسواق التي يمكن دخولها، وهل يمكن للمنتج المنافسة.
ولهذا السبب ربط أبي أحمد المنفذ البحري مباشرة بخفض تكاليف التجارة وتعزيز المرونة الاقتصادية، مؤكداً أن الهدف هو تقليل التكاليف وبناء مرونة أكبر ودفع الازدهار المشترك.
كما يضع هذا الطرح السعي البحري لإثيوبيا في سياق إقليمي أوسع؛ إذ إن وجود ربط أكثر كفاءة بين إثيوبيا وطرق التجارة الدولية ينعكس على الممرات التي تتحرك عبرها البضائع في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما يعزز العلاقات التجارية مع الاقتصادات المجاورة، ويخلق مسارات إضافية بين الاقتصاد الإثيوبي والأسواق الأكثر بعداً.
وبناءً عليه، فإن طموح إثيوبيا لا يقف عند حد الوصول إلى البحر، بل يمتد لتحويل النفاذ المادي إلى وصول اقتصادي واسع النطاق.
البريكس كبازار وسوق أكبر
وهنا تحديداً تبرز أهمية البعد الخاص بمجموعة بريكس؛ فإثيوبيا أصبحت بالفعل جزءاً من تكتل موسع يضم عدداً من أكبر الاقتصادات والأسواق الناشئة في العالم.
وتمنحها هذه المشاركة منصة أخرى لتنمية العلاقات التجارية، والشراكات الاستثمارية، والتعاون الاقتصادي عبر رقعة جغرافية واسعة.
ولا تقتصر هذه الفرصة بالضرورة على التجارة بين إثيوبيا وأعضاء بريكس بشكل فردي، بل تكمن القيمة الأكبر في أن تكون جزءاً من شبكة تتفاعل فيها الأنظمة المالية، والأسواق، والقدرات الإنتاجية، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد بشكل متزايد.
وقد يكون هذا أمرا حاسماً لإثيوبيا وهي تسعى للانتقال من اقتصاد كان اندماجه الدولي محدوداً بالجغرافيا والبنية التحتية، نحو اقتصاد يتحدد شكله أكثر فأكثر عبر الإنتاج، والصادرات، والاستثمار، والربط اللوجستي.
وكانت كلمة رئيس الوزراء في اليوم الأول للقمة قد أعطت مؤشراً عما يمكن لإثيوبيا أن تقدمه داخل هذا السوق؛ حيث أشار إلى تحرك البلاد نحو الاكتفاء الذاتي من القمح وجاهزيتها للتعامل مع بورصة الحبوب المقترحة للبريكس كمُنتِج ومُورِّد، كما استشهد بالتوسع في تصنيع الأدوية، والبنية التحتية الرقمية، والقاعدة الصناعية المتنامية، وإمكانات الطاقة المتجددة، والموارد المعدنية.
ولم يكن طرحه يقتصر على أن إثيوبيا بحاجة إلى شيء من بريكس، بل شمل أيضاً أن إثيوبيا لديها ما تتداوله وتنتجه وتطوره وتبنيه مع المجموعة.
وهذا التمييز يتسم بأهمية كبيرة.
تحويل الجغرافيا إلى فرصة اقتصادية
على مدى عقود، فرضت جغرافية إثيوبيا كدولة بلا منفذ بحري تكاليف وقيوداً إضافية على مشاركتها في التجارة العالمية.
غير أن التحول الاقتصادي الجاري حالياً يخلق سؤالاً مختلفاً: كيف يمكن للبلاد تحويل قدراتها الإنتاجية، وسوقها المحلي المتنامي إلى علاقات اقتصادية دولية أقوى؟ في بريكس، وضع أبي أحمد المنفذ البحري في قلب هذا السؤال.
وجاءت الإجابة المعروضة في القمة لتشمل ما هو أكثر من مجرد مسار واحد؛ فهي تتطلب طرقاً تجارية دولية متنوعة، وحركة أكثر كفاءة للبضائع، ومدفوعات أسرع وأقل تكلفة، وروابط أقوى بين الشركات والأسواق الخارجية، واستثمارات أكبر، وربطاً إقليمياً، وعلاقات اقتصادية أعمق مع الاقتصادات الناشئة الكبرى.
وبعبارة أخرى، فإن الطريق إلى البحر هو جزء من الطريق إلى السوق. والسوق بدوره جزء من الطريق نحو اقتصاد أكبر.
وهذا ما يوضح أيضاً لماذا يُصاغ النهج الإثيوبي تجاه المسألة البحرية بأطر دبلوماسية بدلاً من لغة المواجهة؛ حيث أكد أبي أحمد أن إثيوبيا ستواصل السعي لتحقيق هذا الهدف من خلال الطرق السلمية والتفاوضية.
وتضع هذه الصيغة الضرورة الاقتصادية والأسلوب الدبلوماسي جنباً إلى جنب: فإثيوبيا تؤكد أهمية الوصول إلى البحر، مع التمسك بأن تكون الوسائل المتبعة لتحقيقه سلمية، ومفاوَضة، وموجهة نحو الازدهار المشترك.
أفق اقتصادي أوسع
تكمن أهمية ما سبق في نهاية المطاف في كيفية ترابط هذه الأجزاء؛ فالوصول إلى منفذ بحري يفتح الطرق التجارية، والطرق التجارية تخفض تكلفة الوصول إلى الأسواق، وأنظمة الدفع الكفؤة تسهل المعاملات عبر تلك الأسواق، والنفاذ الأفضل للأسواق يشجع الاستثمار ويسمح لمزيد من الشركات بالتوسع دولياً، والاستثمار والتجارة يعززان الإنتاج، والإنتاج الأقوى يمنح الاقتصاد النامي دوراً أكبر في الشبكات التي تتحرك عبرها البضائع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والخدمات حول العالم.هذا هو الأفق الأوسع الذي يكمن خلف السعي البحري لإثيوبيا.
وفي نيودلهي، لم يُقدَّم ملف المنفذ البحري كنقطة نهاية للرحلة الاقتصادية الإثيوبية، بل كان جزءاً من البنية التحتية لطموح أكبر بكثير: جعل الاقتصاد الإثيوبي المتنامي أكثر ارتباطاً بأسواق بريكس، وأكثر اندماجاً في التجارة الدولية، وأفضل موقعاً لتحويل قدراته الإنتاجية إلى فرص اقتصادية أوسع.
بالنسبة لإثيوبيا، لم يعد السؤال مجرد كيفية الوصول إلى البحر، بل ما الذي يمكن لمنفذ بحري أن يتيحه من آفاق وإزدهار إقتصادي شامل.