عقود من الاستقطاب.. كيف وظفت “جبهة تحرير تيغراي” الهوية العرقية لإدارة حكمها؟
44
مر التاريخ السياسي الحديث لإثيوبيا بتقلبات وتحولات جذرية متعاقبة، غير أن الحقبة التي أدار فيها تحالف “إهادق” الحاكم البلاد بقيادة “جبهة تحرير شعب تيغراي” غير القانونية تركت ندوباً عميقة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
واعتمدت تلك المنظومة خلال فترة إدارتها على مبدأ “فرّق تسد” والتهميش والتخويف، مما أدى إلى زراعة الشكوك والضغائن بين أبناء الوطن بدلاً من توطيد أواصر التعايش والشراكة الوطنية.
وكان الاستخدام المتعمد للتوصيفات العرقية السلاح الأبرز لتلك المجموعة لإضعاف الخصوم وتثبيت سيطرتها؛ حيث وُصم أبناء قومية الأمهرا بـ “الشوفينية” وتحميلهم تبعات مظالم تاريخية لم يرتكبوها، مما ألقى بظلاله على ثقتهم بالمؤسسات السياسية والاقتصادية.
وفي السياق ذاته، أُدرجت قومية الأورومو تحت طائلة تهمة “القومية الضيقة” كلما رفع أبناؤها مطالبات بالحقوق والهوية، في مسعى لممارسة ضغوط نفسية وتحجيم تطلعاتهم السياسية المشروعة.
وانعكس هذا المنهج بوضوح على واقع الحقوق وسيادة القانون؛ إذ اكتظت المعتقلات والسجون الفيدرالية بأعداد غفيرة من الناشطين والمواطنين، حيث شكل أبناء قوميتي الأورومو والأمهرا النسبة الأكبر من المعتقلين، حتى شاعت العبارة المأساوية بأن “لغة السجون باتت آفان أورومو”.
ورغم إدراج مسميات تمثل الأمهرا والأورومو داخل التحالف الحاكم من خلال “الحركة الديمقراطية لشعب الأمهرا” و”المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو”، إلا أن مشاركتهما في صناعة القرار الفعلي والاستفادة من ثمار التنمية ظلت شكليّة ومحاصرة بمركزية ضيقة.
ولم تقف حدود الاستبعاد عند هاتين القوميتين الكبيرتين، بل امتدت ليشعر أبناء إقليم تيغراي أنفسهم بالمتاجرة باسمهم دون تغيير ملموس في واقعهم المعيشي، فيما حُرِمَت أقاليم كاملة كـ عفار والصومال وغامبيلا وبني شنقول-قمز وهرر من المشاركة الفاعلة بعد تصنيفها مجرد “أقاليم شريكة” خارج النواة الصلبة لاتخاذ القرار.
وأدت تلك السياسات التراكمية إلى تنامي الرفض الشعبي في مختلف الأقاليم، بالتزامن مع بروز قيادات إصلاحية من داخل النظام ذاته وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور أبي أحمد اتخذوا قرارات شجاعة أسهمت في إنجاز التحول الوطني الشامل.
واليوم، وعلى الرغم من أفول تلك المرحلة، تحاول المجموعة غير الشرعية الاستعانة بأوهام الماضي وتحريك تحالفات مع أطراف مرتهنة وقوى خارجية، في محاولة يائسة لجر البلاد مجدداً نحو التوتر والصراع.
وتبرز الحقيقة الدامغة في أن “الجبهة” غير الشرعية وظفت التنوع العرقي كأداة لتفكيك المجتمع وتمديد سلطتها الفردية، وليس كمصدر ثراء وطني جامع.
لقد ألحق هذا النهج أضراراً بالغة بالبلاد؛ حيث حرم المواطنين من المشاركة السياسية العادلة، وزرع الشكوك بين المكونات الوطنية، وتحولت بموجبه مطالب الهوية والحقوق المشروعة إلى أدوات للسيطرة السياسية.