رحلة نهوض الاقتصاد التركي والعلاقات التاريخية مع إثيوبيا
167
بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين قارتي أوروبا وآسيا، تمكنت تركيا، خلال ربع القرن الماضي، من تنفيذ إصلاحات اقتصادية متعددة أسهمت في وصولها إلى المرتبة السابعة عشرة بين أكبر اقتصادات العالم.
واجهت البلاد عام 2001 أزمة اقتصادية ومالية حادة، تمثلت في ارتفاع كبير لمعدلات التضخم، وتفاقم عبء الديون، وضعف النظام المصرفي، وتراجع الاستثمار، وانخفاض القدرة الشرائية، إلى جانب مشكلات اقتصادية أخرى.
غير أن الإجراءات الحكومية للخروج من تلك الأزمة لم تقتصر على تجاوز التداعيات فحسب، بل أسست أيضًا قاعدة صلبة لتحقيق نمو اقتصادي متواصل في السنوات التالية.
وفي عام 2003، تولّى رجب طيب أردوغان منصب رئيس الوزراء الخامس والعشرين لتركيا، عقب فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، حيث بدأت الحكومة في تعزيز برامج الإصلاح الاقتصادي واستقرار الاقتصاد الكلي، مع التركيز على دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز القطاع المالي، وتوسيع الاستثمارات، لتثبيت الاقتصاد ومنع أي تراجع محتمل.
أسهمت هذه الإصلاحات في الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والتكنولوجيا ورأس المال، ما ساعد على زيادة الإنتاج والإنتاجية، وهو ما يشكل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي الحالي في تركيا.
وتتميز تركيا بصناعات قوية في مجالات السيارات والمنسوجات والآلات والإلكترونيات، بينما يمثل قطاع الخدمات أكبر مصدر للإيرادات، فهي تحتل مكانة متقدمة بين الدول الأوروبية في صناعة السيارات، وتأتي في المرتبة الثالثة عشرة عالميًا من حيث حصة مبيعات السيارات.
ومع تعداد سكاني يتجاوز 85 مليون نسمة، استطاعت تركيا تعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي، إلى جانب تحقيق الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
وفي العلاقات التجارية مع أفريقيا، بلغ حجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية نحو 37 مليار دولار في عام 2024، كما تمتلك تركيا حضورًا استثماريًا بارزًا في إثيوبيا، حيث تعمل أكثر من 260 شركة تركية، بحجم استثمارات يقدر بأكثر من 2.5 مليار دولار، ما أسهم في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل للإثيوبيين.
وتشمل الصادرات الإثيوبية إلى تركيا القهوة والحبوب والبذور الزيتية مثل السمسم وبذور الكتان، بينما تتضمن الصادرات التركية إلى إثيوبيا الحديد ومواد البناء والأدوية ومدخلات الإنتاج الصناعي. ويعتبر هذا التعاون التجاري والاستثماري جسرًا لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
العلاقات التاريخية بين إثيوبيا وتركيا
تعود العلاقات الثنائية التاريخية بين إثيوبيا وتركيا إلى القرن السادس عشر، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تسيطر على موانئ البحر الأحمر، حيث بدأت الروابط التي تطورت لاحقًا إلى علاقات دبلوماسية دائمة وعملية.
وفي عام 1896، أُقيمت علاقات دبلوماسية رسمية بين السلطان عبد الحميد الثاني والإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني، ما مهّد لافتتاح تركيا قنصلية لها في مدينة هرر عام 1912.
افتتحت تركيا سفارتها في أديس أبابا عام 1926، بينما افتتحت إثيوبيا سفارتها في أنقرة عام 1933، ما يعكس تطور العلاقات الدبلوماسية منذ وقت مبكر.
وخلال القرن التاسع عشر، مهدت التبادلات الدبلوماسية الطريق لافتتاح السفارات، وبناء شراكة اقتصادية قوية، وتوسيع الاستثمارات والبنية التحتية، وتعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية.
وخلال فترة الغزو الإيطالي لإثيوبيا، قدمت تركيا دعمًا دبلوماسيًا للبلاد، فيما شهدت العلاقات الثنائية خلال عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي مستوى إيجابيًا، حيث قام الإمبراطور بزيارتين إلى تركيا عامي 1967 و1971، وعندما أُغلقت السفارة الإثيوبية في أنقرة خلال فترة حكم نظام الدرغ، تراجع التعاون بين البلدين، إلا أن العلاقات أعيدت مجددًا في عام 2006.
وتواصل العلاقات الحديثة بين تركيا وإثيوبيا تطورها، حيث تلعب تركيا دورًا مهمًا في دعم الاستقرار والتنمية الاقتصادية في المنطقة، وزار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إثيوبيا رسميًا عام 2015، كما التقى الرئيس الإثيوبي السابق مولاتو تشومي بالرئيس التركي خلال زيارته إلى تركيا عام 2017. وتمنح الحكومة التركية للطلاب الإثيوبيين منحًا دراسية مجانية لمرحلة البكالوريوس والدراسات العليا، حيث استفاد 632 طالبًا إثيوبيًا في عام 2020 من هذه الفرص في جامعات تركية مختلفة.
كما وقع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتفاقيات عسكرية في أنقرة، مما يعكس عمق العلاقات الثنائية التي بدأت منذ القرن السادس عشر ولا تزال تتطور حتى اليوم، مع توسيع التعاون في المجالات الاقتصادية والتعليمية والدبلوماسية والاستثمارية.