إثيوبيا.. كيف تحولت من الاعتماد على المساعدات إلى توسيع صادراتها؟
58
يمثل انتقال إثيوبيا من الاعتماد على المساعدات إلى التحول نحو دولة منتجة ومصدّرة محطة تاريخية في مسيرتها التنموية، وخطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو تعزيز السيادة الاقتصادية والاعتماد على القدرات الوطنية.
ولسنوات طويلة ارتبط اسم إثيوبيا في المحافل الدولية بتحديات الأمن الغذائي والاعتماد على المساعدات الخارجية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا لافتًا مع تبني رؤية تنموية قائمة على توظيف الإمكانات المحلية وتعزيز الإنتاج، بما يفتح صفحة جديدة في تاريخ الاقتصاد الإثيوبي.
ولا يقتصر هذا التحول على كونه تغييرًا في السياسات الاقتصادية، بل يمثل توجهًا وطنيًا يهدف إلى ترسيخ الاستقلال الاقتصادي وصون كرامة الدولة عبر بناء اقتصاد قادر على تلبية احتياجاته والانفتاح على الأسواق الخارجية.
وجاء هذا التحول في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المحلي، الذي ركّز على تنمية الموارد الوطنية بدلًا من الاعتماد على المساعدات والقروض الخارجية، من خلال تحديث القطاع الزراعي، والتوسع في مشروعات الري، وتوفير التقنيات الحديثة للمزارعين، بما أسهم في رفع الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي.
ويُعد النجاح الذي حققته إثيوبيا في إنتاج القمح عبر الري خلال الموسم الصيفي أحد أبرز شواهد هذا التحول.
فبعد أن كان إنتاج القمح يعتمد على موسم الأمطار فقط، توسعت البلاد في زراعته بالري، الأمر الذي أسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، وتوفير كميات كبيرة من النقد الأجنبي كانت تُنفق على استيراد القمح.
ومع تحقيق الاكتفاء الذاتي، بدأت إثيوبيا تصدير الفائض من إنتاجها إلى الدول المجاورة والأسواق الدولية، في خطوة تعكس انتقالها من دولة مستوردة إلى دولة مصدّرة لهذه السلعة الاستراتيجية.
كما شكّلت مبادرة “لمات تُرفات” إحدى الركائز الأساسية لهذا التحول، إذ ركزت على تنمية الثروة الحيوانية والدواجن، وإنتاج الألبان، وتربية النحل، وإنتاج اللحوم، بما مكّن الأسر في الريف والمدن من تحسين أمنها الغذائي، وتحويل الفائض إلى مصدر دخل إضافي.
ولم تقتصر نتائج المبادرة على تعزيز الأمن الغذائي، بل أسهمت أيضًا في نقل شرائح واسعة من المجتمع من نمط الإنتاج المحدود للاستهلاك إلى الإنتاج التجاري، بما وفر فرصًا جديدة لتحسين مستويات الدخل.
وفي موازاة ذلك، واصلت الحكومة تنفيذ إصلاحات في قطاعي الصناعة والتجارة بهدف توسيع قاعدة الصادرات وتنويع المنتجات الوطنية.
كما شجعت على تصدير المنتجات بعد إضافة قيمة صناعية إليها، بدلًا من تصديرها في صورتها الخام، خاصة البن، والبذور الزيتية، والمنتجات الجلدية، وهو ما عزز حصيلة البلاد من النقد الأجنبي.
وشملت الإصلاحات كذلك إجراءات مالية ونقدية، من بينها تحرير سوق النقد الأجنبي، بما يتيح للمصدرين قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق العالمية، إلى جانب الحد من التجارة غير المشروعة وتعزيز كفاءة التجارة الخارجية.
وتؤكد هذه التحولات أن مسيرة إثيوبيا نحو الانتقال من تلقي المساعدات إلى التصدير لا تقتصر على تحقيق الأمن الغذائي فحسب، بل تمثل مشروعًا وطنيًا أوسع يهدف إلى تعزيز استقلال القرارين الاقتصادي والسياسي، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.
ومع استمرار تنفيذ هذه الإصلاحات، تمضي إثيوبيا نحو تحقيق رؤيتها بأن تصبح إحدى السلال الغذائية الرئيسة في شرق أفريقيا، مستندة إلى تنمية القطاع الزراعي، وتعزيز التصنيع، وتوسيع الصادرات، بما يدعم مكانتها الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.