إثيوبيا وحقها في الموارد.. هل تخشى القاهرة صعود دولة المنبع؟
133
يتجدد في الخطاب الإعلامي والسياسي المصري بين الحين والآخر موجات من التصريحات التي تتجاهل الحقوق السيادية لإثيوبيا في إقامة مشروعات مائية تنموية على نهر النيل (أباي)، حيث تُصور أي خطوة لأديس أبابا لتطوير مواردها المائية وكأنها “تهديد مباشر” للداخل المصري.
تصر القاهرةعلى التأكيد بأن أي مشروع مائي يجب ألا يُنفذ إلا بإذنها وتحت مظلة ما تسميه “الأمن المائي المصري” والاتفاقيات التاريخية الموروثة من الحقبة الاستعمارية.
غير أن الرؤية الإثيوبية تنطلق من منطق سيادي ودولي مغاير تماماً: كيف يُطلب من دولة تمتلك هضبة مائية غنية وموارد طبيعية هائلة أن تقف مكبلة الأيدي أمام الفقر والظلم التنموي دون استغلال ثرواتها لتلبية تطلعات شعبها؟
إن الموقف الإثيوبي الثابت لم يقل يوماً بقطع المياه عن دول المصب، بل أثبتت التجربة العملية أن سد النهضة أُنشئ بالأساس لإنتاج الطاقة الكهرومائية ودفع عجلة التنمية المستدامة، مع الحرص التام على الاستخدام المنصف والمعقول للمياه ودون إحداث أي ضرر ذي شأن بدول الجوار.
واليوم، وبعد أن أصبح سد النهضة واقعاً موجهاً للتنمية المباشرة وبدأت أديس أبابا في التخطيط لمشاريع مائية واعدة مستقبلاً، تتكشف أبعاد القضية الأكبر.
وهنا يطرح الشارع السياسي في شرق إفريقيا التساؤل الجوهري: هل الخلاف المصري الحقيقي يكمن في قطرات المياه، أم أنه ينبع من التوجس الضمني من صعود إثيوبيا كقوة اقتصادية وسياسية مركزية في القرن الإفريقي؟
فإثيوبيا اليوم لم تعد مجرد دولة تبحث عن الكهرباء فقط، بل باتت تقود مساراً استراتيجياً نحو التصنيع، والتكامل الإقتصادي الإقليمي، واستعادة المنفذ المباشر على البحر الأحمر، وتوسيع شراكاتها الدولية المتوازنة؛ وهو التحول الهيكلي الذي يُعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة برمتها.
وعلى صعيد الدور الدولي، فإن محاولات الاستقواء بالوساطات الخارجية أو توظيف بعض الملفات الإقليمية لم تعُد مجدية أمام دبلوماسية أديس أبابا المتوازنة.
فالولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية أضحت تدرك تماماً الحجة الإثيوبية القائمة على مبادئ الاستخدام العادل وتكافؤ الفرص، وتتحرك بعيداً عن الروايات الأحادية التي تحاول تصوير الشراكات الإقليمية كحلف ضد إثيوبيا أو العكس.
تبقى الرسالة الإثيوبية الواضحة والراسخة للجميع: إن حوض النيل نهر عابر للحدود يجمع ولا يفرق، ولن تتعامل إثيوبيا مع النهر باعتباره ملكية حصرية لأي دولة، كما لن تتخلى تحت أي ضغط عن حقها الاستراتيجي في بناء آفاق تنميتها.
فالاستقرار الحقيقي في الحوض لا يتحقق بمنطق “وصاية المصب”، بل بإرساء التعاون الشامل، واحترام سيادة كافة دول الحوض، والإقرار بحق أبنائها في العيش الكريم.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا تبني إثيوبيا سدوداً لتنمية شعبها؟ بل: لماذا يُصر البعض على اعتبار نهضة دولة المنبع خطراً بدلاً من اعتبارها شريكاً في صناعة مستقبل إقليمي مشرق؟