سياسة إضعاف إثيوبيا.. قراءة في الاستراتيجية المصرية بين التاريخ والجغرافيا السياسية
155
يرى مراقبون أن سياسة القاهرة الخارجية في منطقة شرق وشمال إفريقيا ارتكزت على مدى عقود، على محاولة الحد من صعود إثيوبيا وإضعاف مكانتها الإقليمية، في إطار حسابات تاريخية وجيوسياسية مرتبطة بنهر النيل وموازين القوى في المنطقة.
وبحسب هذه الرؤية، دأبت النخب السياسية والحكومات المصرية على تقديم قضية مياه النيل باعتبارها قضية وجودية، واستخدامها في بعض الأحيان لتوجيه الرأي العام وتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية، من خلال تصوير إثيوبيا باعتبارها مصدرًا للتهديد.
ولا يعود هذا النهج، وفقًا لقراءات تاريخية، إلى تطورات الدبلوماسية الحديثة فحسب، بل يرتبط بجذور تاريخية وحسابات جيوسياسية ممتدة. وتشير الدراسات التاريخية إلى محاولات مصرية سابقة للسيطرة على منابع النيل، بما في ذلك اللجوء إلى القوة العسكرية خلال القرن التاسع عشر.
ويشير المؤرخان ريتشارد بانكهورست والبروفيسور باهرو زودي، في دراساتهما، إلى أن مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا سعت إلى توسيع نفوذها وبناء ما عُرف بـ«مصر الكبرى»، مع استهداف السيطرة على منابع النيل، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهات عسكرية مع إثيوبيا.
وفي عامي 1874 و1876، خاضت القوات المصرية المعتدية معارك ضد إثيوبيا في غوندت وغورا، مستعينة بقيادات عسكرية وأسلحة حديثة، إلا أن القوات الإثيوبية تمكنت من إلحاق هزائم كبيرة بالجيش المصري.
ويذكر المؤرخ هاغاي إرليخ، في كتابه Ras Alula and the Scramble for Africa، أن هزيمتي غوندت وغورا أثبتتا صعوبة إخضاع إثيوبيا بالقوة العسكرية، وأسهمتا في تحول الاستراتيجية تجاهها من المواجهة العسكرية المباشرة إلى أدوات أخرى، من بينها السعي إلى استغلال الاضطرابات الداخلية والضغوط الدبلوماسية.
وترى هذه القراءة أن القاهرة اتجهت بعد إخفاق الخيار العسكري، إلى التركيز على إضعاف الوحدة الداخلية لإثيوبيا، انطلاقًا من مخاوف من أن يؤدي استقرار البلاد وتقدمها التنموي وبناء دولة قوية إلى تعزيز قدرتها على الاستفادة من مواردها الطبيعية ومكانتها في حوض النيل.
كما تتهم هذه الرؤية الحكومات المصرية بالسعي إلى استغلال الخلافات الإثنية والدينية والسياسية داخل إثيوبيا، وتقديم أشكال مختلفة من الدعم للقوى المعارضة، إلى جانب العمل على بناء تحالفات عسكرية ودبلوماسية مع بعض دول المنطقة بهدف ممارسة ضغوط جيوسياسية على أديس أبابا.
وفيما يتعلق بقضية النيل، ظل الخطاب المصري بحسب المراقبين قائمًا على فكرة اعتبار مياه النهر حقًا حصريًا لمصر، وهي رؤية تستند إلى اتفاقيات تاريخية، من بينها اتفاقيتا عامي 1929 و1959، اللتان لم تشارك فيهما جميع دول حوض النيل ولم تقوما على مبدأ التوزيع العادل والمنصف للمياه.
غير أن إثيوبيا، من جانبها، أحدثت تحولًا في هذه المعادلة من خلال بناء سد النهضة بمواردها الذاتية، مؤكدة أن الهدف الأساسي من المشروع هو توليد الطاقة الكهربائية ودعم التنمية، وليس الإضرار بدول المصب.
وتؤكد إثيوبيا باستمرار أن سنوات ملء وتشغيل السد لم تشهد حدوث نقص في المياه بمصر نتيجة للمشروع، معتبرة أن ذلك يدحض المخاوف والحملات الإعلامية التي رافقت بناء السد.
كما بدأت أصوات من الأكاديميين والمحللين والمواطنين المصريين، في التشكيك في بعض الروايات الرسمية المتعلقة بتأثير سد النهضة، والتأكيد على ضرورة التعامل مع القضية استنادًا إلى الحقائق العلمية بعيدًا عن التوظيف السياسي.
ويخلص هذا الطرح إلى أن سياسة إضعاف إثيوبيا لن تحقق نتائج في ظل التحولات التاريخية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، فنهر النيل مورد مشترك بين دول حوضه، ولا يمكن اعتباره ملكًا حصريًا لدولة واحدة.
ويرى المراقبين ضرورة تجاوز سياسات الصراع والضغوط المتبادلة، والانتقال إلى تعاون إقليمي قائم على مبادئ العدالة والمنفعة المشتركة، باعتباره الطريق لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة لشعوب المنطقة.