إذا لم يكن البحر الأحمر مشتركًا، فكيف يمكن أن يكون النيل مشتركًا؟
74
لم تعتبر إثيوبيا الصمت ضعفًا وعندما تكون مصالحها الوطنية على المحك، فإنها ترد بوضوح وسرعة.
مؤخرًا، اتخذت الحكومة الإثيوبية إجراءات حاسمة بحق دبلوماسيين يحملون أجندات تاريخية معادية لإثيوبيا ولم يكن هذا الإجراء قرارًا مفاجئًا، بل جاء بعد نفاد صبر استمر لعقود، وبهدف حماية السيادة الوطنية.
وأوضحت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان أصدرته موقفها بجلاء، مؤكدة أن إثيوبيا تحترم العلاقات السلمية والاحترام المتبادل والتعاون الإقليمي، لكنها لا تساوم بأي شكل من الأشكال على سيادتها ووحدة أراضيها ومصالحها الوطنية الأساسية.
كما أكدت مرارًا أن سعيها للحصول على منفذ بحري يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وهو المبدأ الذي ظهر بوضوح أيضًا في قضية البحر الأحمر.
في المقابل، أصدر قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال بيانًا إقصائيًا مفاده أن «الدول التي لا تتشارك سواحل البحر الأحمر ليست جزءًا منه» وخلص ما سُمي «بيان العلمين» إلى أن الدول الساحلية وحدها معنية بقضايا أمن البحر الأحمر.
لكن الواقع مختلف تمامًا.
فبالنسبة لإثيوبيا، التي تبعد نحو 60 كيلومترًا عن البحر الأحمر، فإن أي تهديد أمني ينشأ في البحر يؤثر بصورة مباشرة على اقتصادها وقطاعها اللوجستي وأمنها القومي.
كما أن تحركات الجماعات المسلحة والقرصنة البحرية والتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى تؤثر جميعها على إثيوبيا، لأن دول المنطقة لا تتشارك الحدود فحسب، بل تتشارك المصير أيضًا والأكثر إثارة للاستغراب هو التناقض في مواقف القادة أنفسهم.
فبعد أن قالوا إن البحر الأحمر يخص الدول المطلة عليه فقط، سُمع القادة أنفسهم يقولون إن نهر النيل «مورد مشترك لنا جميعًا».
والسؤال بسيط: إذا لم يكن البحر الأحمر مشتركًا، فكيف يمكن أن يكون النيل مشتركًا؟
إذا كانت الدول التي تتشارك البحر الأحمر جغرافيًا هي صاحبة الحق فيه، فمن المفترض أن تحصل إثيوبيا، التي تنبع من أراضيها نحو 85% من مياه النيل، على الحق نفسه.
ومع ذلك، ظلت القاهرة، التي لا ينبع من أراضيها حتى ملليلتر واحد من مياه النيل، تتمتع لعقود طويلة بنفوذ واسع على النهر.
لكن إثيوبيا لم تقل يومًا إن «النيل ملك لي وحدي» بل ظلت تدير سد النهضة الإثيوبي الكبير وفق مبدأ المنفعة المشتركة، وبما لا يضر بدول حوض النيل.
ومن الصعب التوصل إلى تفاهم مع دول تتبنى منطقًا مزدوجًا يقوم على أن «بحري لي، أما نهركم فهو مشترك بيننا». فبيان العلمين يمثل، وفق هذا الطرح، وثيقة إقصائية لدول المنطقة وتعكس نهجًا قائمًا على الأنانية.
وتبدو القرارات الأحادية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا متعارضة مع مبدأ التنمية والنمو المشترك، وهو مبدأ لا يتناسب التخلي عنه مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وتقف إثيوبيا إلى جانب السلام، وتمد يدها للتعاون، لكنها لا تتراجع عندما تكون مصالحها الوطنية على المحك.