في قلب شرق إفريقيا، حيث تتقاطع جغرافيا التاريخ مع طموحات المستقبل، لم تكن إثيوبيا يوماً مجرد دولة على الخارطة، بل كانت ولا تزال رمزاً حياً للسيادة والاستقلال والحرية.
واليوم، تقف البلاد عند أعتاب مرحلة تاريخية جديدة تعيد فيها رسم ملامح حضورها الجيوسياسي، عبر محطتين مفصليتين: استكمال ملء وبناء “سد النهضة الإثيوبي الكبير”، والمعركة الدبلوماسية لاستعادة منفذها البحري.
لقد كان سد النهضة اختباراً حقيقياً للإرادة الوطنية؛ فمنذ لحظة انطلاقه، واجهت المشروع أمواج عاتية من الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
غير أن الإثيوبيين حوّلوا هذه التحديات إلى نصر تاريخي، وأنجزوا هذا الصرح العملاق بإمكانياتهم الذاتية الخالصة ودون دعم خارجي.
ولم يكن السد مجرد خزان مائي، بل كان تصحيحاً لمسار تاريخي مائل؛ فلأول مرة تتمكن إثيوبيا التي تغذي نهر النيل بنحو 86% من مياهه من استثمار حقيقي لمواردها.
وتجاوز الإنجاز تحقيق العدالة في الانتفاع ليوفّر حماية علمية ودائمة لدول المصب من أخطار الفيضانات، مكرساً مبدأ المنفعة المتبادلة.
مع نجاح الملحمة المائية، تتجه بوصلة الاهتمام الوطني نحو قضية مصيرية أخرى تتمثل في “المنفذ البحري”.
فإثيوبيا تُعد اليوم أكبر دولة غير ساحلية في العالم من حيث عدد السكان، لكن هذا الواقع الجغرافي لا يلغي حقوقها المستندة إلى مبادئ القانون الدولي وقانون البحار.
وفي هذا المسعى، لا تنتهج أديس أبابا مساراً متصلباً، بل تمد يد الشراكة؛ إذ تعتمد تحركاتها على الحوار السلمي، والتكامل الاقتصادي، ومراعاة المصالح الحيوية للجوار عبر بوابات الاستثمار والتجارة المشتركة.
تتجلى المعادلة الإثيوبية اليوم بوضوح تام؛ فإذا كان سد النهضة هو المحرك الأساسي للقاعدة الصناعية والاقتصادية، فإن المنفذ البحري يمثل الشريان الحيوي الذي يربط المنتجات الوطنية بالأسواق العالمية.
ورغم أن البلاد فقدت هذا الشريان تاريخياً بسبب قرارات سابقة، إلا أن خطواتها المتزنة تمضي بثبات نحو تصحيح هذا الخلل.
وإن التجربة الملحمية التي سطرها الشعب الإثيوبي في سد النهضة بصموده ودبلوماسيته الحكيمة، هي الضمانة الأكيدة على أن مسألة استعادة المنفذ البحري ستصل هي الأخرى إلى حل سلمي ومستدام يخدم الاستقرار والازدهار الإقليمي.