Fana: At a Speed of Life!

لماذا برزت إثيوبيا كبطلة قمة بريكس في نيودلهي؟

وصلت إثيوبيا إلى قمة قادة مجموعة بريكس الـ18 بالعاصمة الهندية نيودلهي كعضو حديث العهد نسبياً في المجموعة، لكنها غادرتها وقد وضعت تحولها الاقتصادي وأولوياتها الاستراتيجية وطموحاتها الدولية العريضة في قلب النقاشات بين كبرى الاقتصادات الناشئة في العالم.

هذا الأداء دفع القائم بأعمال السفارة الصينية لدى أديس أبابا، سون مينغ شي، خلال مؤتمر صحفي بالأمس، إلى وصف إثيوبيا ببطلة قمة مجموعة بريكس الأخيرة.

 ويُعد هذا الوصف لافتاً ليس فقط بسبب التأييد الدبلوماسي الذي حظيت به البلاد، بل لاتساع نطاق الملفات التي طرحتها في القمة ومدى تقاطع أولوياتها الوطنية مع القضايا الجوهرية على جدول أعمال مجموعة بريكس.

ولذلك، لم تقتصر مشاركة إثيوبيا في نيودلهي على حشد الدعم لترشيحاتها الفردية، بل كانت فرصة لاستعراض دولة تمر بتحول اقتصادي وتكنولوجي، وتسعى لاندماج أعمق في الأسواق العالمية، وتعزيز قدراتها الإنتاجية، وترسيخ مكانتها كمساهم فاعل في هيكلية الجنوب العالمي المتطورة.

وكان الاقتصاد الإثيوبي النامي في صدارة هذا الاستعراض؛ إذ استغل رئيس الوزراء د. آبي أحمد القمة لتسليط الضوء على تقدم إثيوبيا في مجال الأمن الغذائي، ولا سيما الانتقال من الاعتماد على القمح المستورد إلى الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي.

ويحمل هذا التحول أهمية تتجاوز القطاع الزراعي، إذ يعكس جهداً أوسع لتوسيع الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحويل إثيوبيا من مستهلك للسلع الاستراتيجية إلى منتج ومورد مهم على نحو متزايد.

وربط رئيس الوزراء ذلك التحول بفكرة بورصة حبوب مجموعة بريكس، واضعاً التقدم الزراعي لإثيوبيا ضمن نقاش أوسع حول الأمن الغذائي والتجارة والتعاون بين الاقتصادات الناشئة.

 ويمتد المنطق نفسه إلى مجالات أخرى من الإنتاج المحلي، حيث يشير سعي إثيوبيا لتوسيع تصنيع الأدوية وخلق القيمة المحلية إلى اقتصاد لا يهدف لمجرد استيراد السلع المصنعة، بل يطور القدرة على إنتاج وتجهيز وتوريد المزيد مما يستهلكه وما تطلبه الأسواق الإقليمية والدولية.

وشكل التحول الرقمي محوراً مهماً آخر في الطرح الإثيوبي؛ حيث تعمل البلاد على بناء بنية تحتية رقمية عامة تتناول الهوية الرقمية، المدفوعات الإلكترونية، والتبادل الآمن للبيانات، مع وضع الذكاء الاصطناعي في مركز أجندتها التنموية.

وفي نيودلهي، أكدت إثيوبيا أنه لا ينبغي لأفريقيا أن تظل مجرد سوق للتكنولوجيات المبتكرة في أماكن أخرى، بل يجب أن تشارك في تشكيل الذكاء الاصطناعي ليراعي لغاتها، أنظمتها المعرفية، مجتمعاتها، واحتياجاتها التنموية.

وتناغمت هذه الرسالة مع أجندة مجموعة بريكس المهتمة بالذكاء الاصطناعي، التحول الرقمي، والتعاون التكنولوجي.

كما جلبت إثيوبيا إمكاناتها في الطاقة المتجددة، مبادرة البصمة الخضراء، وأجندة المناخ إلى طاولة القمة.

وتوفر مبادرة البصمة الخضراء، وتوسيع قاعدة الطاقة المتجددة، والجهود المرتبطة بالصمود المناخي، عرضاً إيكولوجياً واقتصادياً لإثيوبيا في وقت يركز فيه تعاون مجموعة بريكس على الطاقة، التمويل المناخي، والتنمية المستدامة.

وأضفت الاستعدادات لاستضافة ورئاسة مؤتمر المناخ (COP32) عام 2027 بعداً دولياً بارزاً، حيث أعرب إعلان نيودلهي عن دعم رئاسة إثيوبيا للمؤتمر.

وتتسق إمكانات إثيوبيا وطموحاتها الصناعية مع نقاشات مجموعة بريكس حول التصنيع وإضافة القيمة والتكنولوجيا والأسواق؛ إذ تسعى لتجاوز تصدير المواد الخام وتطوير قدرات التصنيع، مستفيدة من عضويتها في المجموعة لربط الفرص المحلية بفرص الاستثمار والطلب الأكبر.

وكان الربط اللوجستي خيطاً حاسماً آخر؛ حيث تمنح شبكة الطيران المرتكزة على الخطوط الجوية الإثيوبية ومقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا موقعاً استراتيجياً للبلاد.

 ويمتد الربط المادي إلى البنية التحتية اللوجستية مثل توسعة ميناء موجو الجاف لخفض التكاليف والتأخير، وهو ما يتماشى مع مناقشات مجموعة بريكس لتسهيل التجارة، المدفوعات، والربط الاقتصادي.

وفي هذا السياق، يأخذ سعي إثيوبيا للوصول الآمن والمستدام إلى البحر معنى اقتصادياً أوسع؛ إذ أُطر الموضوع في نيودلهي كضرورة اقتصادية مرتبطة بالتجارة، الوصول للأسواق، والتكلفة، مؤكدة استمرارها في متابعة هذا الهدف عبر أطر سلمية وتفاوضية.

ولم تكن استراتيجية إثيوبيا تسأل فقط عما يمكن لـ مجموعة بريكس تقديمه لها، بل عما يمكن لإثيوبيا إضافته للشراكة من إنتاج زراعي، سوق متنامية، طاقة متجددة، ربط جوي، وقدرات رقمية.

وأثمرت القمة عن مكاسب دبلوماسية ملموسة لإثيوبيا؛ إذ أعرب أعضاء مجموعة بريكس عن دعمهم القوي لانضمام إثيوبيا إلى منظمة التجارة العالمية، ورحبوا بترشيحها لمقعد إضافي في مجلس المنظمة الدولية للتعاون المدني كمرشح أفريقي وحيد معتمد من الاتحاد الأفريقي، فضلاً عن دعم رئاستها لمؤتمر المناخ COP32.

وتربط هذه النتائج التحول الاقتصادي المحلي بثلاث ساحات دولية: التجارة العالمية، حوكمة الطيران الدولي، والدبلوماسية المناخية. وجسد إعلان نيودلهي تقاطع هذه الأولويات الوطنية والإفريقية مع الأجندة الدولية الواسعة للمجموعة.

وفي نهاية المطاف، لم تكن أهمية إثيوبيا في نيودلهي مجرد الاعتراف بها في القمة، بل في استغلال المساحة المفتوحة لتحويل الدعم الدبلوماسي إلى فرص تجارية، استثمارات، شراكات تكنولوجية، ونمو اقتصادي ملموس يستكمل التحول الجاري.

 

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.