تباشير الازدهار.. تاريخ إثيوبيا الجديد يُكتب بقوتها الذاتية
63
بينما عرف العالم إثيوبيا في الماضي عبر العدسة التقليدية المتمثلة في الأزمات، الجفاف، ووهن الاقتصاد، تبرز البلاد اليوم كنموذج للازدهار، وهي ترسم خريطة اقتصادية جديدة في القرن الأفريقي عبر تحويل التحديات المعقدة إلى فرص استثمارية، والانطلاق في ثورة اقتصادية واسعة تمتد آثارها لتشمل المنطقة بأسرها.
ولا يقف هذا النهوض الإثيوبي عند حدود الشعارات، بل يتجسد في إنجازات ملموسة حظيت بإشادة دولية.
ويُعد سد النهضة الإثيوبي الشاهد الأكثر دلالة على هذا التحول في التاريخ الحديث للبلاد؛ إذ لا تكمن فرادة المشروع في ضخامته الهندسية فحسب، بل في كونه أُنجز بالكامل دون الاعتماد على أي قروض أجنبية من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، ليكون مشروعاً تحقق بعرق وجهود ودماء الإثيوبيين في الداخل والمغتربين في الخارج، مجسداً مفهوم السيادة الحقيقية.
وبفضل هذا الإنجاز، تحولت إثيوبيا من دولة كانت تعاني من نقص حاد وتذبذب في إمدادات الطاقة، إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء إلى دول الجوار مثل كينيا وجيبوتي والسودان.
ولأن القوة الاقتصادية لا تكتمل دون روابط تجارية دولية متينة، تستعد الخطوط الجوية الإثيوبية أكبر ناقل جوي في أفريقيا لدخول مرحلة توسع غير مسبوقة، بالتزامن مع تشييد مطار بيشوفتو الدولي الجديد الذي يستهدف استيعاب نحو 110 ملايين مسافر سنوياً، مما يكرّس أديس أبابا، فور اكتماله، كبوابة دبلوماسية وتجارية رئيسية تربط القارة الأفريقية بأسواق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وإلى جانب البنية التحتية الجوية والبحرية، تُعزز إثيوبيا مسارها الاقتصادي باستغلال الموارد الجوفية؛ إذ يشهد قطاع تعدين الذهب نمواً متسارعاً يرفد الخزينة بمصادر جديدة للعملة الصعبة ويخفف الاعتماد الحصري على الزراعة.
وفي الوقت ذاته، تُستثمر مبالغ طائلة لتحديث القطاع الزراعي باعتباره عماد الاقتصاد القومي وضامناً للأمن الغذائي.
حيث يبرز مشروع الأسمدة الذي ينشئه المستثمر الأفريقي عليكو دانغوتي في إقليم الصومال الإثيوبي كخطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة ورفع الإنتاجية المحلية.
ولا يقتصر هذا التحول على القطاعات التقليدية، بل يمتد ليشمل تسارع الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي، إلى جانب اتخاذ خطوات تاريخية تمثلت في فتح قطاعات حيوية أمام القطاع الخاص والمستثمرين بعد إغلاق دام لأربعة عقود، وفي مقدمتها الاتصالات، والخدمات المصرفية، والعقارات، وأسواق رأس المال.
وتخوض إثيوبيا هذا المسار الاقتصادي مع الحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق في الساحة الدولية؛ فبينما انضمت إلى مجموعة “بريكس” كأحد التكتلات الاقتصادية الصاعدة، نجحت في إدارة علاقات متوازنة وحكيمة مع صندوق النقد الدولي، والشركاء الغربيين، والصين، ودول الخليج العربي.
وبدلاً من الانحياز، اعتمدت البلاد نهج الشراكة مع الجميع بما يخدم مصالحها الوطنية، مبرهنة على أن التزامها بالتقدم والتنمية مسار ثابت لا يتزعزع.
واليوم، تثبت أديس أبابا للعالم أن إثيوبيا نجحت في تجاوز تحدياتها بالعمل والإنجاز، لتصبح المحرك الاقتصادي والرمز الحقيقي للازدهار في القرن الأفريقي.